تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر ( وفي الحاشية الكبريت الأحمر ) — صفحة 275

مساهمون:

ص٢٧٥
هذا المقام . ( الثاني ) : من يمسك عليه عقله في حضرة اللّه تعالى ويبقي عليه عقل حواسه فيأكل ويشرب ويتصرف من غير تدبير ولا روية ويتناول العيش الطبيعي كسائر الحيوانات . ( الثالث ) : من لم يدم له حكم ذلك الوارد بل زال عنه الحال ورجع إلى نفسه بعقله فهو يدبر أمره ويعقل ما يقول ويقال له ويتصرف عن رؤية وتدبير مثل كل إنسان وذلك هو الكامل من الأولياء وأطال في ذلك ثم قال : واعلم أن أكبر من جذبه الحق تعالى إلى حضرته الرسل عليهم الصلاة والسلام ، ولولا أن الحق تعالى كلفهم بتبليغ الرسالة وسياسة الأمة لذهب بعقولهم لتعظيم ما شاهدوه من جلال اللّه وعظمته
فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسى صَعِقاً
[ الأعراف : 143 ] وقد كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، إذا جاءه الوحي ونزل به الروح الأمين على قلبه يؤخذ عن حسه ويسجي بثوبه ويرغو كما يرغو البعير حتى ينفصل عنه وقد وعى ما جاء به الملك فيلقيه على الحاضرين ويبلغه للسامعين ومعلوم أن مواجيده صلى اللّه عليه وسلم ، التي كانت تطرقه من تجليات ربه على قلبه أعظم سطوة بيقين من نزول ملك أو وارد في الوقت الذي لم يكن يسعه فيه غير ربه فلذلك كان يؤخذ عن نفسه مع كونه كان مستندا لذلك الهول فعلم أنه لولا أن الرسل مطالبون بهداية الخلق وجهادهم ، ما رد اللّه عليهم عقولهم فلذلك أعطاهم التمكين ليقوموا بما كلفوا به بخلاف المجاذيب فإن هناك من يقوم بهداية الخلق غيرهم من العارفين في كل عصر فافهم . وعلم أيضا أن ما ثم وارد يرد على قلب أحد من الخواص وقد غلط في ذلك بعض أهل الطريق حين تكلموا على الفرق بين الولي والنبي وقالوا : النبي يصرف الأحوال عنه والولي تصرفه الأحوال فجعلوا الأنبياء مالكين أحوالهم والأولياء مملوكين تحت أحوالهم والحق ما ذكرناه من أن الرسل يؤخذون عن إحساسهم عند واردات الحق تعالى بخلاف الولي صاحب الحال فقد يمكث دهره كله لا يحس بجوع ، ولا عطش ، ولا حر ، ولا برد . بل ربما ذهب عمره كله كلمحة بارق . واعلم أن حاله أيام جذب المجذوب تكون بحسب الحالة التي جذبه الحق تعالى عليها فإن جذبه في حال قبض فعمره كله قبض وإن جذبه في حال بسط فعمره كله بسط وضحك أو تبسم وإن جذبه في حال كلام دنيوي ، فكذلك أو أخرى ، فكذلك ، حتى إني رأيت بعض القضاة جذب فكنت لا أزال أراه يقول : لاحقا ولا
شرح
اللّه فعينه نفس صورته ويذهب كما يذهب البرق وذوات الأذناب قال : وحقيقة الرعد تنشأ من هبوب الهواء فتصدع أسفل السحاب إذا تراكم فيصوت كما يصوت الثوب إذا شق فليتأمل ، ويحرر . وقال : أرجى آية للمشركوَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ لا بُرْهانَ لَهُ بِهِ[ المؤمنون : 117 ] فمن نظر في الدلائل جهد الطاقة فأداه ذلك إلى تخيل شبهة أنها برهان فقد تعرض لفتح باب العذر عند اللّه قال : والمراد بالبرهان هنا في زعم الناظر وإلا فمن المحال أن يكون ثم دليل في نفس الأمر على إله آخر ، فلم يبق إلا أن تظهر الشبهة بصورة برهان فيعتقد أنها البرهان وليس
اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر ( وفي الحاشية الكبريت الأحمر ) — صفحة 275 | عبد الوهاب الشعراني