الصحيح فرأوا جميع أفعالهم هي معلوم علم اللّه تعالى ، وكما لا افتتاح لعلم اللّه تعالى كذلك لا افتتاح لمعلومه وإذا كان لا افتتاح لمعلومه فالحق تعالى لم يظلمنا شيئا ولعل المعتزلة لو اطلعوا على هذا الوجه الذي قررناه ما وقعوا في قولهم : إن العبد يخلق أفعال نفسه فإنهم رأوا بعقولهم أنهم إذا جعلوا الفعل للّه وحده خلقا ثم عاقبهم عليه كان ذلك غير العدل فلما خافوا من إضافة ذلك إلى الحق قالوا : جعلنا أن العبد يخلق أفعال نفسه أخف من نسبة الظلم إلى الحق من باب الإضافة والمجاز لا من باب الحقيقة فإن مثل الإمام الزمخشري لا يعتقد أنه يخلق أفعال نفسه حقيقة أبدا بل اليهود نفسهم لا يعتقدون ذلك ثم إن القول في جزاء الأعمال يوم القيامة كالقول في الأعمال نفسه فلو قال قائل للّه : لم تعذبني على ما ليس من خلقي لقال له الحق تعالى :
وهل تعلق علمي بك إلا معاقبا على أعمالك . فلا يسع العبد إلا أن يقول : نعم ما تعلق علمك بي إلا معاقبا وهناك يقيم العبد الحجة على نفسه يقينا وكشفا وهذا المنزع الذي ذكرته لم أر له ذائقا من أهل عصري وغاية أمرهم أن أحدهم يقيم الحجة على نفسه أدبا فقط من باب قولهم لا بد تقدر أن تعصها قبلها ، فهو يقيم الحجة على ربه بقلبه كما هو مذهب الجبرية وربما يستشهد بقول الشاعر :
ألقاه في اليم مكتوفا وقال له * إياك إياك أن تبتل بالماء
ومثل هذا البيت لا يجوز عندنا التفوه به لما فيه من رائحة إقامة الحجة على اللّه تعالى ، فعلم أن الجبرية وغيرهم ما وقعوا فيما وقعوا فيه إلا من شهودهم وجه حدوث العبد وكونه مخلوقا ولو أنهم شهدوا الوجه الآخر وهو كونه قديما في العلم الإلهي لأقاموا الحجة للّه على نفوسهم فليتأمل فإنه محل يتفلت من الذهن واللّه تعالى أعلم .
المبحث السادس والعشرون : في بيان أن أحدا من الإنس والجن لا يخرج عن التكليف ما دام عقله ثابتا ولو بلغ أقصى درجات القرب على ما سيأتي بيانه
اعلم يا أخي أن من المحال رفع التحجير عن كل عاقل ما بقيت الدنيا ولولا ذلك لكان
شرح
صورة تلك الرؤيا وذلك الطائر ومنه خلقت ولا بد كما خلق آدم من تراب ونحن من ماء مهين وأطال في ذلك ثم قال : وإنما كان صلى اللّه عليه وسلم ، إذا أصبح يقول لأصحابه : « هل رأى أحد منكم رؤيا » . لأن الرؤيا من أجزاء النبوة لأنها مبتدأ الوحي فكان صلى اللّه عليه وسلم ، يحب أن يشهدها في أمته والناس في غاية الجهل بهذه المرتبة التي كان صلى اللّه عليه وسلم يعتني بها ويسأل كل يوم عنها والجهلاء في هذا الزمان إذا سمعوا بأمر وقع في النوم أو في الغيبة أو الفناء لم يرفعوا به رأسا وقالوا بالمنامات : يريد هؤلاء أن يدركوا مدارك الصالحين ويستهزئون بالرائي إذا اعتمد عليها وهذا جهل بمقامها قال : واعلم أن محل الرؤيا النشأة العنصرية فليس للملك رؤيا وذلك لأن مكان