فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ
[ الأنعام : 149 ] . اعلم أن هذه الآية دليلا على أنه تعالى ما كلف عباده إلا ما يطيقونه عادة فلم يكلفهم بنحو الصعود إلى السماء بلا سبب ولا بشهود الجمع بين الضدين ولو أنه تعالى كلفهم بذلك ما كان يقول فللّه الحجة البالغة وإنما كان يقول : فله أن يفعل ما يريد كما قال : لا يسأل عما يفعل يعني في أصل القسمة الأزلية فهذا موضع يسأل عما يفعل لفقد من كان هناك يسأل الحق تعالى انتهى . وسيأتي أوائل المبحث التاسع والعشرين نظم بديع لبعض اليهود في تصوير وجه مخالفة العبد للقدرة الإلهية وإنما ذلك غير ممكن فراجعه . وقال الشيخ في باب الأسرار : من احتج عليك بما سبق في علم الحق فقد حاجك بالحق لكنها حجة لا تنفع صاحبها ولا تعصم جانبها ومع كونها ما نفعت سمعت وقيل بها إن عدل الشرع من مذهبها فإنه لا يسأل عما يفعل وهم يسألون ولكن أكثر الناس لا يشعرون ومثل هذه المسألة لا يكون إلا جهارا ولا يتكلم بها إلا إشعارا مع أنه لو جهر بها لكانت علما ونفخت فيهما وأورثت في الفؤاد كلما دونه تجز القمم لما تؤدي إليه من درس الطريق الأهم الذي عليه جمع الأمم وإن كان كل دابة هو آخذ بناصيتها فافهم ، فصح قوله تعالى :
إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً وَلكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ
( 44 ) [ يونس : 44 ] . وإيضاح ذلك لا يذكر إلا مشافهة لأهله فإنه من علوم سر القدر والكتاب يقع في يد أهله وغير أهله واللّه تعالى أعلم . وقال الشيخ في كتاب « لواقح الأنوار » : لو أن عبدا قال لربه : يا رب كيف تؤاخذني على أمر قدرته عليّ قبل أن أخلق لقال له الحق تعالى أما أنت محل لجريان أقداري فلا يسعه إلا أن يقول نعم يا رب أنا محل لجريان أقدارك فإذا قال العبد ذلك قال له الحق : فإذن قد ذهب اعتراضك عليّ فإن شئت جعلتك محلا للثواب وإن شئت جعلتك محلا للعقاب والعذاب ، وإن قال العبد مذهب المعتزلة قلنا له :
فحينئذ يقام عليك ميزان العدل في قوله تعالى :
لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ
[ البقرة : 286 ] انتهى . فقد قامت حجة اللّه تعالى على جميع الطوائف ا ه .
( قلت ) : وقد بلغنا أن إبليس قال : يا رب كيف تقدر على عدم السجود لآدم ثم تؤاخذني به فقال جلّ وعلامتي علمت إني قدرت عليك الإباية عن السجود بعد وقوع الإباية منك أو قبلها فقال : بعدها فقال له الحق تعالى وبذلك آخذتك فسر القدر حكمه حكم مكيدة الفخ الذي
شرح
الصور فيدرك هذا الشخص بقوته في يقظته ما يدركه النائم في نومه وذلك أن اللطيفة الإنسانية تنتقل بقواها من حضرة المحسوسات إلى حضرة الخيال المتصل بها الذي محله مقدم الدماغ فيفيض عليها ذلك الروح الموكل بالصور من الخيال المنفصل عن الإذن الإلهي ما يشاء الحق أن يريه لهذا النائم ، أو الغائب ، أو الفاني من إدراك المعاني متجسدة ونحو ذلك ، فيرى الحق في صورة وأطال في ذلك . ثم قال : فعلم أن كل من عبر الرؤيا لا يعبرها حتى يصورها في خياله فتنتقل تلك الصورة عن المحل الذي كانت فيه حديث نفس أو تحزينا من شيطان إلى خيال العابر لها ثم إن اللّه تعالى إذا أراد أن يري أحدا رؤيا جعل لصاحبها فيما رآه حظا من