ينصب للطير وهو اللولب المدفون في التراب وحكم اختيار العبد حكم الحبة الظاهرة على وجه الأرض فترى الطير لا يرى المكيدة ولا يهتدي له وإنما يرى الحبة فقط فيلتقطها فيكون فيها هلاكه ولو أنه عرف المكيدة ما لقط الحبة أبد فهكذا ابن آدم لا يقع في معصية إلا هو غافل عن شهود المكيدة والمؤاخذة ثم إذا وقع ندم واستغفر واللّه يحب التوابين وبالجملة فإذا كان نفس إبليس وقع ولم يدر بذلك الأمر الذي كان فيه هلاكه إلا بعد الوقوع فكيف بغيره . وكذلك بلغنا أن إبليس سأل في الاجتماع برسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فأذن له صلى اللّه عليه وسلم ، بشرط أن يصدقه وحفت به الملائكة وهو في حال الزلة والصغار بين يدي النبي صلى اللّه عليه وسلم ، فقال : يا محمد إن اللّه خلقك للهداية وما بيدك منها شيء وخلقني للغواية وما بيدي من الغواية لنفسي ولا لغيري شيء وأنزل اللّه تصديق ذلك
إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ
[ القصص : 56 ] واللّه تعالى أعلم وسمعت سيدي عليا الخواص رحمه اللّه يقول : إياك أن تحتج بأن إبليس أوقعك في المعصية من غير ميل منك سابق فإن اللّه تعالى قد حكى عن إبليس أنه يتبرأ في خطبته في النار ممن أطاعه في دار الدنيا وذلك موضع يصدق فيه الكذوب ويبين في تلك الخطبة جهل أهل المعاصي ويقول في آخرها : فلا تلوموني ولوموا أنفسكم فإني ما أغويتكم بوسوستي إلا بعد أن ملتم بنفوسكم إلى فعل ما نهاكم اللّه تعالى عنه وما كان لي عليكم من سلطان قبل أن تميلوا فلا تلوموني ولوموا أنفسكم من حيث ملتم قبل وسوستي فإن نفسكم كلسان الميزان الذي في الفك وأنا واقف تجاهكم على الدوام فما دام لسان الميزان في فكها لم يخرج فأنتم محفوظون مني فإذا خرج لسان الميزان إلى جانب معصية خبث ، فنفذت إرادتكم بالوقوع فأنا تبع لكم وهناك تندحض حجة العبيد الذين أطاعوا إبليس لقيام حجته عليهم وتصديقهم له في ذلك الموضع ويتضح لهم أن إبليس لم يوقعهم في ذلك مستقلا وإنما أوقعهم نفوسهم فيصيرون يقيمون الحجة لإبليس عليهم كما أقاموا الحجة عليهم بالنظر للأقدار الإلهية وأكثر من ذلك لا يقال .
قلت : فحاصل هذا المبحث أن العبد هو الذي ظلم نفسه تصديقا لقوله تعالى :
وَما ظَلَمْناهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ
[ النحل : 118 ] . فإنه تعالى لا يخبر إلا بالواقع ولما علم أهل اللّه تعالى ذلك طلبوا وجها حقيقيا يقيمون به الحجة للّه تعالى على أنفسهم فنظروا بالكشف
شرح
الخير والشر بحسب ما تقتضيه رؤياه ، فيصور اللّه تعالى ذلك الحظ طائرا وهو ملك في صورة طائر كما يخلق من الأعمال صورا ملكية روحانية جسدية برزخية قال : وإنما جعلها في صورة طائر لأنه يقال : طار سهمه بكذا والطائر الحظ قال تعالى :طائِرُكُمْ مَعَكُمْ[ يس : 19 ] . أي :
حظكم ، ونصيبكم معكم من الخير ، والشر ، وتجعل الرؤيا معلقة برجل هذا الطائر وهي عين الطائر فإذا عبرت سقطت لما عبرت له وعندما تسقط ينعدم الطائر لأنه عين الرؤيا فينعدم لسقوطها وتتصور في عالم الحس بحسب الحال التي تخرج عليه تلك الرؤيا فترجع صورة الرؤيا عين الحال لا غير فتلك الحال إما عرض أو جوهر وإما نسبة من ولاية أو غيرها هي عين