تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر ( وفي الحاشية الكبريت الأحمر ) — صفحة 262

مساهمون:

ص٢٦٢
ترى حروف الخفض هي الخافضة للأسماء مع أنها دونها في الدرجة وعلو الأسماء فيها بقول العبد : أعوذ باللّه فالباء خافضة ومعمولها كلمة اللّه فهي التي تخفض الهاء من الكلمة فأثرت فيما هو أعلى منها الذي هو الأسماء فالعالم وإن كان في مقام الخفض في الرتبة فبعضه لبعض كأدوات الخفض في اللسان لا يخفض المتكلم الكلمة إلا بها كذلك ما يفعله الحق تعالى ، بواسطة الأسماء الإلهية لا بد من التنزل إلى رتبة الخفض ليتصرف في أدوات الخفض ثم إن حروف الخفض إذا دخل بعضها على بعض صار المدخول عليها منها أسماء وزال عنه حكم الحرفية فيرجع مخفوضا بالإضافة كسائر الأسماء وأبقوا عليه البناء حتى لا يتغير عن صورته لأن الخافض أصالة لا يكون مخفوضا حقيقة فهو هنا مخفوض المعنى غير مخفوض الصورة بما هو عليه من البناء مثل قوله تعالى :
لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ
[ الروم : 4 ] قال : وهكذا يكون الأمر في الطريق التي نحن فيها إذا أثر المحدث في المحدث لم يشركه أثر فيه غير أن يكون محدثا فالحدوث له بمنزلة البناء للحرف والأثر فيه للمؤثر ولا مؤثر بالإجماع إلا اللّه فهذا فعل الخلق ظهر بصورة فعل الحق تعالى فانفعل المنفعل بصورة الحق قال : ومن هذه الحضرة قال تعالى : كنت سمعه الذي يسمع به . وقال :
فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ
[ التوبة : 6 ]
مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ
[ النساء : 80 ] مع قوله :
ما عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ
[ المائدة : 99 ] ا ه . وقال في باب الأسرار : ما في الوجود إلا أفعاله مع أنه حرم الفواحش فسلم ولا تناقش انتهى . وكان الشيخ أبو الحسن الشاذلي رضي اللّه تعالى عنه يقول : في قوله تعالى :
ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ
[ النساء : 79 ] . أي : إيجادا وإسنادا
وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ
[ النساء : 79 ] ، يعني : إسنادا لا إيجادا . وتأمل يا أخي قول السيد إبراهيم عليه الصلاة والسلام ،
وَإِذا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ
( 80 ) [ الشعراء : 80 ] كيف لم يقل وإذا أمرضني بل أضاف المرض إلى نفسه حيث كان مكروها للنفس وأضاف الشفاء إلى اللّه لكونه محبوبا للنفس وكذلك تأمل قول أيوب عليه الصلاة والسلام :
وَأَيُّوبَ إِذْ نادى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ
( 83 ) [ الأنبياء : 83 ] ، ولم يقل : أمسستني الضر فارحمني بل حفظ أدب الخطاب وكذلك تأمل قول الخضر عليه الصلاة والسلام ،
فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَها
[ الكهف : 79 ] فأضاف العيب إلى نفسه لما كان العيب مكروها وانظر كيف أضاف الأمر المحبوب للنفس إلى اللّه تعالى في قوله تعالى :
فَأَرادَ رَبُّكَ أَنْ
شرح
( قلت ) : وفي هذه عذر عظيم لنحو سيدي عمر بن الفارض وأضرابه في تغزلاتهم فلا ينبغي إقامة موازين أهل العقول الكونية عليهم لأنهم إنما تكلموا بلسان العشق فافهم وسلم تسلم .

[ الباب الرابع والثمانون ومائة في معرفة مقام الكرامات ]

وقال في الباب الرابع والثمانين ومائة كرامات الأولياء على قسمين : حسية ومعنوية ، فالحسية للعامة والمعنوية للخاصة قال : والحسية هي مثل الكلام على الخاطر والأخبار بالمغيبات الماضية والكائنة والآتية والأخذ من الكون ، والمشي على الماء ، واختراق الهواء ، وطي الأرض والاحتجاب عن الأبصار وإجابة الدعوة في الحال ونحو ذلك ، وأما الكرامة المعنوية عند الخواص فهي : حفظ آداب الشريعة من فعل مكارم الأخلاق واجتناب سفسافها
اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر ( وفي الحاشية الكبريت الأحمر ) — صفحة 262 | عبد الوهاب الشعراني