ثم إنه لم يثبت على الإثبات بل أعقب الإثبات نفيا كما أعقب النفي إثباتا بقوله :
وَلكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ
وبقوله :
وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى
فما أسرع ما نفى وما أسرع ما أثبت لعين واحدة وإيضاح ذلك أن اللّه تعالى قال : فاقتلوا المشركين فأظهروا أمرا وآمرا ومأمورا في هذا الخطاب فلما وقع الامتثال وظهر القتل بالفعل من أعيان المحدثات ، قال : ما أنتم الذين قتلتموهم بل أنا قتلتهم فأنتم لنا بمنزلة السيف لكم أو أي آلة كانت للقتل كما أن القتل وقع في المقتول بآلة ولم نقل فيها إنها القاتلة بل الضارب هو القاتل فكذلك الضارب بالنسبة إلينا ليس هو القاتل بل هو مثل السيف بالنسبة إليه هو فافهم . وقال في باب الأسرار : ما أجهل من قال : إن اللّه تعالى لا يفعل بالآلة وهو يقرأ :
فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى
[ الأنفال : 17 ] فتراه يكفر بما هو به مؤمن هذا هو العجب العجاب فالسيف آلة للعبد والعبد والسيف آلة له تعالى انتهى . وقال في الباب الخمسين : اعلم أن الحق تعالى ما كلفنا إلا بعد أن جعل لنا قدرة نجد أثرها في نفوسنا تعجز عنها العبارة وإذا فقدت لم يكلفنا كما لم يكلف الزمن القيام في الصلاة وهذه القدرة هي التي أظهرها النفخ الإلهي في الإنسان بواسطة الملك فلو لا هذه القدرة ما توجه علينا التكليف ولا قيل لأحدنا قل
وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ
[ الفاتحة : 5 ] فإن في الاستعانة إثبات جانب من الفعل للعبد فصدقت المعتزلة في إضافتها الأفعال إلى العبد من وجه واحد بدليل شرعي وأخطأت في إضافتها الأفعال إليه بحكم الاستقلال وصدقت الأشعرية في إضافتها الأفعال إلى اللّه خلقا وإلى العباد كسبا من الوجهين بدليل شرعي وعقلي انتهى . وقال في الباب الثاني والسبعين من « الفتوحات » : اتفق النظار كلهم على أن خلق القدرة المقارنة للفعل من العبد للّه وحده وإنها ليست من كسب العبد ولا من خلقه فكل إنسان معه اختيار لا أن له من نفسه اختيارا استقلالا . وقال في باب الأسرار : ما أمر اللّه تعالى عباده بنصره إلا وأعطاهم الاشتراك في أمره فمن قال : لا قدرة لي ويعني : الاقتدار فقد رد الأخبار وكان ممن نكث الحق وتكليف الحق تعالى ، بالميت انتهى . وقال في الباب الثامن والخمسين وخمسمائة في الكلام على اسمه تعالى الخافض : اعلم أن حضرة الخفض لا يتصرف الحق تعالى فيها تصرف المحدث إلا إذا تنزل إليها فإذا تنزل إليها أضفنا إليه أحكام تلك الحضرة فليس سلطان حضرة الخفض في المحدث إلا الإتيان ولو كان قرآنا فإنه حدث عندهم بإتيانه ألا
شرح
يَفْعَلُ[ الأنبياء : 23 ] لمن يقول في نفسه : كيف تأمرنا يا ربنا بأمر لم نقسم لنا فعله أو تنهانا عن شيء وقد قدرته علينا فهذا موضع لا يسأل عما يفعل . وقال : بلغني أن العصفور قال لزوجته :
حين راودها عن نفسها لقد بلغ بي من حبي لك أن لو قلت لي : اهدم هذه القبة على سليمان لهدمتها لك فأرسل سليمان خلفه وقال : ما حملك على هذا القول الذي تعجز عنه فقال : مهلا يا نبي اللّه إن المحبين إنما يتكلمون غالبا بلسان المحبة والعشق لا بلسان العلم والعقل ، فضحك سليمان من قول الخطاف ولم يعاقبه .