تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر ( وفي الحاشية الكبريت الأحمر ) — صفحة 260

مساهمون:

ص٢٦٠
يقول : العبد محل ظهور الأفعال كالباب الذي يخرج منه الناس فليس الناس متولدين من نفس الباب وإنما ظهر بروزهم منه لا غير إذ الأعضاء الفعالة في الظاهر أبواب للحركات الربانية المستورة إذ الأكوان كلها سترة وهو الفاعل من خلف حجاب بهذا الستر فقوم لا يشعرون بأن اللّه تعالى هو الفاعل وهم المعتزلة وقوم يشهدون ويشعرون بذلك وهم الجبرية غلب عليهم شهود الفعل للّه وحده ولم يتسع نظرهم حتى يضيفوه للعبد كما أضافه الحق تعالى إليه فأخطأوا الشريعة وقوم لا يشهدون ويشعرون وهم الأشعرية منهم حجاب القول بالكسب عن الشهود وكل من هؤلاء الطوائف الثلاث على بصره غشاوة ولا تزول عنهم تلك الغشاوة إلا بالكشف . قال : ولا ينبغي أن يقال : العبد مجبور في عين اختياره وإن كان ذلك القول صحيحا لأن في ذلك سوء أدب ويرجع إلى رائحة إقامة الحجة على الحق جل وعلا ا ه . وسيأتي بسط ذلك في المبحث عقبه . وقال في باب الأسرار من « الفتوحات » : ما طلب الحق تعالى من عباده أن يستعينوا به في عباداتهم وغيرها إلا لينبههم على عجزهم عن الاستقلال بالأفعال وكان الإمام الجنيد رحمه اللّه تعالى يقول : « إياك أن تقف في حضرة شهود الفعل للّه تعالى وحده دون عباده فتقع في مهواة من التلف ولا ترى لك من ذلك قط ذنبا فتهلك مع الهالكين وفي ذلك هدم للشرائع كلها » انتهى . ( فإن قلت ) : فما منشأ الخلاف في مسألة خلق الأفعال بين الفرق . ( فالجواب ) : كما قاله الشيخ في الباب الثامن والستين : إن منشأ الخلاف بينهم كونهم لم يدروا لماذا يرجع ذلك التمكن الذي أعطاه اللّه تعالى للعبد ووجده من نفسه حال الفعل هل هو راجع إلى كون القدرة الحادثة لها فينا أثر في تلك العين الموجودة عن تمكننا أو عن الإرادة المخلوقة فينا فيكون التمكن أثر الإرادة لا أثر القدرة الحادثة فعلى ذلك ينبني كون الإنسان مكلفا لعين التمكين الذي يجده من نفسه ولا يحقق بعقله لماذا يرجع ذلك التمكين هل هو لكونه قادرا أو لكونه مختارا وإن كان على قول بعضهم هو مجبور في اختياره ولكن بذلك القدر من التمكن الذي يجده من نفسه صح أن يكون مكلفا ولهذا قال تعالى :
لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا ما آتاها
[ الطلاق : 7 ] فقد أعطاها أمرا وجوديا ولا يقال : أعطاها لا شيء . وقال في الباب الأحد وتسعين وثلاثمائة في قوله تعالى :
فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى
[ الأنفال : 17 ] . اعلم أن في هذه الآية إثبات القتل والرمي لمن نفاه عنه
شرح
ذلك لانتفاء المجانسة بينه تعالى وبيننا يقول اللّه عز وجل ، يوم القيامة لمن ادّعى محبته هل واليت لي وليا أو عاديت لي عدوا كما ورد . وقال في قوله تعالى :قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ[ الأنعام : 149 ] . في هذه الآية دليل على أن اللّه تعالى ما كلف عباده إلا ما يطيقونه عادة فلم يكلفهم بنحو الصعود إلى السماء بلا سبب ، ولا بالجمع بين الضدين ولو كلفهم بذلك ما كان يقول :فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ. وإنما كان يقول : فله أن يفعل ما يريد كما قال :لا يُسْئَلُ عَمَّا