إلا الخبر المحض والآن قد عرفت تحقيق هذه المسألة على القطع الذي لا أشك فيه وعرفت الفرق بين المذاهب الثلاثة فيها وذلك أن الحق تعالى أوقفني بكشف بصيرتي على المخلوق الأول الذي لم يتقدمه مخلوق إذ لم يكن ثم إلا اللّه وحده ، وقال لي : انظر هل هنا أمر يورث اللبس والحيرة قلت : لا يا رب ، فقال لي : هكذا جميع ما تراه من المحدثات ما لأحد فيه أثر ولا شيء من الخلق فأنا الذي أخلق الأشياء عند الأسباب لا بالأسباب فتتكون عن أمري خلقت النفخ في عيسى وخلقت التكوين في الطائر قلت له : يا رب فنفسك إذن خاطبت بقولك : افعل ولا تفعل فقال لي : إذا طالعتك بشيء من علمي فالزم الأدب ولا تحاقق فإن الحضرة لا تقبل المحاققة فقلت له : يا رب وهذا عين ما نحن فيه ومن يحاقق ومن يتأدب إلا أن خلقت الأدب والمحاققة فإن خلقت المحاققة فلا بد من وقوعها وإن خلقت الأدب فلا بد من وجوده قال :
هو ذاك فاسمع وانصت . قلت : ذلك لك يا رب ، أخلق السمع حتى أسمع والإنصات حتى أنصت وما يخاطبك الآن سوى ما خلقت وحدك فقال لي : ما أخلق إلا ما علمت وما علمت إلا ما هو المعلوم عليه حين تعلق به علمي في الأزل ولي الحجة البالغة انتهى . وسيأتي إيضاح ذلك في المبحث بعده إن شاء اللّه تعالى فتأمل يا أخي في هذه النقول ولكن مع اجتناب جميع ما يسخط اللّه عز وجل فإن القلب المظلم من لازمه الاستشكال في الأمور الواضحة فضلا عن مثل هذه المسألة وقد قال الإمام الغزالي رحمه اللّه : هذه مسألة لا يزول إشكالها في الدنيا وهو معذور في قوله : واللّه تعالى أعلم .
( خاتمة ) : إن قيل : ما المراد بإضافة الخلق إلى عيسى عليه الصلاة والسلام ، مع أن عيسى في ذلك عبد مخلوق الذات ومن شأن المخلوق أن لا يخلق ولا يقدر على ذلك ؟
( فالجواب ) : قد صرح القرآن العظيم بأن خلق عيسى عليه الصلاة والسلام ، للطير إنما كان بإذن اللّه تعالى فكان عيسى في ذلك كالملك الذي يصور الجنين في الرحم بإذن اللّه ، فكان خلقه عليه الصلاة والسلام ، للطير من جملة العبادة التي يتقرب بها إلى اللّه تعالى لإذنه تعالى له في ذلك قال تعالى :
أَ رَأَيْتُمْ شُرَكاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي ما ذا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ
[ فاطر :
40 ] . قال الشيخ محيي الدين في الباب السابع والثلاثين وثلاثمائة في تفسير هذه الآية : اعلم أن
شرح
ومائة : اعلم أن ميزان الشرع الموضوعة في الأرض هي ما بأيدي العلماء من الشريعة فمهما خرج ولي عن ميزان الشرع المذكور مع وجود عقل التكليف أنكرنا عليه ذلك فإن غلب عليه الحال سلم له حاله ما لم يعارض نصا أو إجماعا ، وأما مخالفته لما طريقهم الفهم فلا قال :
فإن ظهر بأمر يوجب حدا في ظاهر الشرع ثابت عند الحاكم أقيمت عليه الحدود ، ولا بد ، ولا يعصمه من إقامة الحد احتمال أن يكون كأهل بدر لأن المؤاخذة إنما سقطت عن أهل بدر في الدار الآخرة ومن قيل له : افعل ما شئت فقد غفرت لك يقتضي أن ذلك الفعل ذنب ولذلك قال : غفرت لك دون أسقطت عنك الحدود فعلم أن القاضي الذي يقيم الحد على هذا