وقال في الباب الثاني والعشرين وأربعمائة : اعلم أن أعمالنا حقيقة للّه وحده وإنما أضافها إلينا ابتلاء واختبارا لينظر تعالى وهو العالم بما يكون قبل أن يكون هل ندعيها لأنفسنا فيقيم الحق تعالى بذلك علينا الحجة أو نضيفها له فنقف موقف الأدب نظير قوله تعالى :
وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ
[ محمد : 31 ] . فإنه تعالى إنما قال ذلك لينظر هل نضيف إليه تعالى ما أضافه إلى نفسه مع جهلنا بالكيف أم نرد ظاهر ذلك ونؤوله فنقع في سوء الأدب انتهى . وقال في الباب السابع عشر وثلاثمائة : ومن أراد أن يعرف حقيقة أن اللّه تعالى هو الفاعل من خلف حجاب الخلق فلينظر في خيال الستارة وصورها ومن هو الناطق في تلك الصور عند الصبيان الصغار الذين بعدوا عن حجاب الستارة المضروبة بينهم وبين اللاعب بتلك الصور والناطق فيها فالأمر كذلك في صور العالم كله والناس أكثرهم أولئك الصغار الذين فرضناهم فهناك يعرف من أين أتى عليهم فالصغار في ذلك المجلس يفرحون ويطربون والغافلون يتخذون ذلك هزوا ولعبا والعلماء باللّه يعتبرون ويعلمون أن اللّه تعالى ما نصب هذا إلا مثلا لعباده ليعلموا أن هذا العالم مع اللّه تعالى مثل هذه الصور مع محركها وأن هذه الستارة هي حجاب سر القدر الذي لا يجوز لأحد كشفه وأطال في ذلك . وقال في الباب الخامس عشر وأربعمائة : مما يدلك على أن أفعال العبد للّه حقيقة كونه جعل نفسه عين قوى العبد المحبوب في حديث : كنت سمعه وبصره ويده ورجله ومعلوم أن العمل ليس هو بجسم الإنسان مما هو جسم حسا وإنما العمل فيه لقواه فما تصرف في باطن العبد إلا الرب وهذا من أسرار المعرفة وقليل من عثر عليه ولذلك ادّعى المعتزلة أنهم يخلقون أفعال نفوسهم لحجابهم عن شهودهم مقوى قواهم انتهى . وقال في الباب التسعين وأربعمائة : في قوله تعالى :
كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ
( 3 ) [ الصف : 3 ] . اعلم أن للمقت درجات بعضها أكبر من بعض ومن قال قولا ولم يصدق مقت نفسه عند اللّه تعالى أكبر المقت إذا اطلع على ما حرمه من الخير بترك الفعل ولا سيما إذا رأى غيره قد عمل بما سمعه منه وأطال في ذلك ، ثم قال : ومعنى الآية بلسان الإشارة : يا أيها الذين آمنوا من وراء حجاب لم تقولون أن الفعل لكم وما هو كذلك فإنه لي فكيف تضيفون إلى أنفسكم ما لا تفعلون حقيقة
إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا
[ الصف : 4 ] . أي :
يقاتلون في سبيله من ينازع الحق في إضافة الأفعال إلى نفسه ويقول : إن الفعل لي كالمعتزلة
شرح
ولكن تستروح منها نفس من أسماء العالم كالغني ، والعزيز ، والقدوس . وأمثال هذه الأسماء .
قال : وما وجدنا للّه تعالى أسماء تدل على ذاته خاصة من غير تعقل معنى زائد على الذات أبدا فإنه ما ثم اسم إلا على أحد أمرين إما يدل على فعل وهو الذي يستدعي العالم ولا بد وإما يدل على تنزيه وهو الذي يستروح منه صفات نقص كون تنزه الحق تعالى عنها غير ذلك ما أعطانا اللّه فما ثم اسم علم ما فيه سوى العلمية للّه تعالى أصلا إلا إن كان ذلك في علمه وما استأثر به في غيبه مما لم يبده لنا قال : وسبب ذلك أنه تعالى ما أظهر أسماءه لنا إلا للثناء بها عليه فمن المحال أن يكون فيها اسم علم أصلا . لأن الأسماء الأعلام لا يقع بها ثناء على