وقال في الباب الثامن والخمسين وخمسمائة : اعلم أنه لولا صحة النسب بكسر النون وتحقيق النسب الصوري بفتحها ما كان للأسباب عين ولا ظهر عندها أثر وأنت تعلم أن استناد العالم أكثره إلى الأسباب فلو لا أن اللّه تعالى حاضر عندها ما استند إليها مخلوق فإنا لم نشاهد أثرا إلا منها وما عقلناه إلا عندها فمن الناس من قال بها ولا بد ومن الناس من قال عندها ولا بد ونحن من جرى مجرانا من أهل التحقيق يقولون عندها وبها أي : عندها عقلا . وبها شهودا وحسا ، فما طلب الحق تعالى من عباده إلا ما لهم فيه تعمل فلا بد من حقيقة تكون هنا تعطي صحة الإضافة في العمل إليك مع كون عملك خلقا للّه
وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ
( 96 ) [ الصافات :
96 ] أي : وخلق ما تعملون قال : وبعض أهل الإشارة جعلوا ما هنا نافية فالعمل للعبد والخلق للّه تعالى وبين الخلق والعمل فرقان في المعنى واللفظ فما أضافه تعالى إليك هو عين ما أضافه تعالى إليه لكن مع اختلاف المعنى وما فعل ذلك إلا ليعلمك أن الأمر الواحد له وجوه : فمن حيثما هو عمل هو لك وتجزى به ومن حيثما هو خلق هو للّه تعالى ، فلا تغفل عن معرفة هذا فإنه لطيف خفي انتهى .
( قلت ) : ونظير ذلك قول عيسى عليه الصلاة والسلام ،
تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ
[ المائدة : 116 ] لأن المعنى تعلم ما في نفسي التي هي لك ملك ولا أعلم ما في نفسك التي خلقتها ونفختها في النفس في الموضعين مضافة إلى اللّه تعالى من وجهين : خلقا وإسنادا وإلى العبد إسنادا فقط واللّه تعالى أعلم . قال الشيخ أيضا في الباب التسعين وأربعمائة : اعلم أن الحق تعالى ما أضاف الفعل إلى العبد إلا لكونه تعالى هو الفاعل حقيقة من خلف حجاب جسم العبد فلم يكن الفعل إلا للّه تعالى غير أن من عباد اللّه من أشهده ذلك ومنهم من لم يشهده ذلك قال تعالى :
فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ
[ النحل : 36 ] .
فالقسم الذي هداه هو الذي حفظه من دعوى الفعل لنفسه حقيقة وأما القسم الذي لم تحق عليه الضلالة فهو الذي حار ولم يدر وهم القائلون بالكسب وأما من حقت عليه الضلالة فهم القائلون بخلق الأفعال لهم انتهى . وقال في الباب الأحد وثمانين وأربعمائة : اعلم أن مقام الإحسان هو العمل على شهود الحق تعالى ، في حال العبادة وفي ذلك تنبيه عجيب فإنه بتلك المشاهدة يبصر أن الفاعل هو اللّه تعالى ، لا هو فإن العبد إنما هو محل لظهور العمل لا غير .
شرح
الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ[ البقرة : 129 ] فهذه كلها أسماء ضمائر ، وإشارات وكنايات تعم كل مضمر ومخاطب ومشار إليه ومكنى عنه ، وأمثال هذه ومع ذلك فليست أعلاما ولكنها أقوى في الدلالة من الأعلام فإن الأعلام قد تفتقر إلى النعوت وهذه لا افتقار لها قال : وأما لفظة هو فهي أعرف عند أهل اللّه من الاسم اللّه في أصل الوضع لأنها تدل على هوية الحق التي لا يعلمها إلا هو وأطال في ذلك . قلت : وذكر الشيخ أيضا في الباب التاسع والسبعين وثلاثمائة ما نصه اعلم أنه ثم أسماء الهيئة تطلب العالم ولا بد كالاسم الرب ، والقادر ، والخالق ، والنافع . أو الضار ، والمحيي ، والمميت ، والقاهر ، والمعز ، والمذل . ونحو ذلك وثم أسماء الهيئة لا تطلب العالم