المبحث الرابع والعشرون : في أن اللّه تعالى خالق لأفعال العبد كما هو خالق لذواتهم
وأن العباد مكتسبون لا خالقون خلافا للمعتزلة في قولهم : إن العبد يخلق أفعال نفسه .
قال الشيخ كمال الدين ابن أبي شريف رحمه اللّه : وقد كان الأوائل من المعتزلة كواصل وابن عطاء وعمرو بن عبيد لقرب عهدهم بإجماع السلف على أنه لا خالق إلا اللّه تعالى يتحاشون عن إطلاق لفظ الخالق ويكنون بلفظ المخترع والموجد ونحوهما فلما رأى أبو علي الجبائي وأصحابه أن معنى الكل واحد وهو المخترع من العدم إلى الوجود تجاسروا على إطلاق لفظ الخالق . واعلم يا أخي أن مسألة الكسب من أدق مسائل الأصول وأغمضها ولا يزيل إشكالها إلا الكشف على نزاع في ذلك كما سيأتي في نقول الصوفية وأما أرباب العقول من الفرق فهم تائهون في إدراكها وآراؤهم مضطربة فيها وذلك أن أفعال الإنس وجميع الحيوانات وحركاتهم في معايشهم وتصرفاتهم مشاهدة لا إنكار لها من أحد ثم إذا رجحنا حاكم العقل لا يكاد يحكم بثبوتها حكما جليا بحيث لا يبقى منا حزازة في الصدر . وها أنا أجلي عليك عرائس نقول المتكلمين ثم نقول العارفين من القوم فأقول وباللّه التوفيق : كان أبو الحسن الأشعري رحمه اللّه يقول : ليس للقدرة الحادثة أثر وإنما تعلقها بالمقدور مثل تعلق العلم بالمعلوم في عدم التأثير .
وكان الشيخ أبو طاهر القزويني يقول : القضيات العقلية في هذه المسألة ثلاث وهي : إما أن تكون الأفعال كلها مقدورة للّه تعالى على الاستبداد أو مقدورة للخلق على الاستبداد أو تكون مقدورة للّه تعالى والخلق معا فالأولتان معلومتان وأما الثالثة وهي أن تكون مقدورة بين قادرين فيلزم عليه أن الحركة الواحدة تعلق بها قدرتان قديمة وحادثة وهي : إذا تعلقت بها قدرة واحدة استغنت عن القدرة الثانية فما فائدة الثانية وما متعلقها وما كيفية تعلقها وهي بالقدرة الأولى كائنة موجودة وحالاتها ثلاث : حالة عدم وحالة وجود وحالة إيجاد وتعلق القدرة الثانية بما في هذه الحالات الثلاث محال ثم لو قدرنا مقدورا بين قادرين خاصة بدواعيها وإرادتيهما لوجب أنه إذا منع أحدهما فعله ولم يمتنع الثاني كان الحاصل فعلا موجودا معدوما وهو من أمحل المحال .
بقي أن يقال : إنما يلزم المحال إذا تعلق به القدرتان من وجه واحد أما إذا كان الفعل مضافا إلى قادرين من وجهين مختلفين فلا استحالة فيه وذلك أن تعلق القدرة القديمة من وجه الإيجاد
شرح
أن يخلع ثوبا ألبسه اللّه إياه وأطال في ذلك . ثم قال : فمن لم يكن غني النفس عما بأيدي الناس فليبدأ بنفسه يعظها حتى يتخلص من الركون للخلق ثم يدعو كما دعت الرسل وكمل ورثتهم قال تعالى :أَ تَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ[ البقرة : 44 ] . تنبيها على مقام الكمال لأن الإنسان لا يأمر الناس بشيء إلا إن كان هو قد عمل به فافهم واللّه أعلم .