فقال قوم : كان من الجن الذين استكبروا في الأرض فحاربهم الملائكة وسبوا إبليس منهم إلى السماء فصار بالحكم من الملائكة فإن مولى القوم من أنفسهم وكان من النسب جنيا فيصدق فيه القولان وقيل : إنه من الجن فعلا ومن الملائكة نوعا فباعتبار فعله كان من الكافرين . قال الماوردي : ثم إن اللّه تعالى خلق سكان البر والبحر من الطين والماء كالإنسان والأنعام والوحوش والطيور والحشرات ، وخلق الحيتان والضفدع وغيرها من نبات الماء فصار هؤلاء الأجناس الأربعة من المخلوقات من الأصول الأربعة جنسين صاعدين لصعود أصليهما وهما الملائكة والجن وجنسان هابطان لهبوط أصليهما وهما حيوان البر وحيوان البحر ، ذكر ذلك كله الماوردي في كتاب « النبوة » ثم اعتذر . فقال : إنما نقلت هذه العبارات من ألفاظ المنكرين لها لأن الاستدلال بلسان الخصوم يكون أوقع عندهم وأدعى إلى التزام الحجة انتهى . قال الشيخ أبو طاهر رحمه اللّه : واعلم أن كل جنس من هؤلاء لا بد إذا تم خلقه بقدرة اللّه أن تزول صورة أصله ويتشكل بشكل آخر لا يشبه أصله وتأمل الإنسان كيف زالت عنه صورة الماء والطين والتراب ، وصار لحما وعظما وبشرة إلى غير ذلك ثم تشكل بهذه الصور المخصوصة والهيئة المشهودة . وكذلك القول في جميع الحيوانات من السباع والطيور وأشكالها مختلفة لا يشبه بعضها بعضا وهكذا تكون صفة الملائكة والجن والشياطين فإنه قد زالت صورة الهواء عن ظاهر أجسادهم وصور اللّه لهم هيئات لطافا ولذلك سموا روحانيين ، ثم إن لتلك الأنوار أشكالا وصورا لطيفة لائقة بذاتها يتمايز بعضها كأشكال الحيوانات الأرضية لا يعلمها إلا اللّه تعالى :
وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ
[ المدثر : 31 ] وتلك الصورة لازمة في اختلافاتها وفي تنوعها ولكنها ممنوعة عن أبصارنا لغاية لطافتها كالهواء والرياح وقد يكون بعضها عارضة كالصور التي يتصورون فيها أحيانا فيراهم الأنبياء والأولياء بواسطتها ثم تزول عنهم وذلك يجري لهم مجرى اختلاف اللباس لنا وسببه أن أجسامهم لغلبة اللطافة والرقة كأنها تمتزج بالهواء فيتصور الهواء بما شاؤوا من الصور في عين الرائي دون الهواء وتارة تظهر مرتسمة الهواء ارتسام قوس قزح حتى يراها الحاضرون أيضا في صورة الخضرة والحمرة والصفرة وغير ذلك . كما رأى عبد اللّه بن عباس صورة جبريل مع النبي صلى اللّه عليه وسلم ، ولم يرها أبوه العباس وكان معه في المسجد فأخبر النبي صلى اللّه عليه وسلم ، بذلك فقال : أما إنه سيعمى ولكن اللّه يفقهه في الدين ويعلمه التأويل . قال :
شرح
أبدا فافهم واللّه أعلم .