( فالجواب ) : نعم . هي صادقة بلا شك لا تخطىء وإذا قيل : إن الرؤيا أخطأت فما أخطأت ، وإنما الذي عبرها هو المخطىء حيث لم يعرف ما المراد من تلك الصورة ألا تراه صلى اللّه عليه وسلم ، قال لأبي بكر الصديق رضي اللّه تعالى عنه حين عبر الرؤيا : أصبت بعضا وأخطأت بعضا ، وما قال له : خيالك فاسد لأنه رأى حقا ولكن أخطأ في التأويل وقد أطال الشيخ الكلام على ذلك في الباب الثالث والستين من « الفتوحات » فراجعه .
( فإن قلت ) : فما الفرق بين الرؤيا والحلم المشار إليهما في حديث الرؤيا من اللّه والحلم من الشيطان ؟
( فالجواب ) : كما قاله الشيخ في الباب الثامن والخمسين وخمسمائة ، في الكلام على اسمه تعالى الحليم : أن الرؤيا هي رؤيا الأمر على ما هو عليه في نفسه وأما الحلم فهو رؤيا الأمر على خلاف ما هو عليه ، يقال : حلم الأديم إذا فسد وكذلك النوم أفسد المعنى عن صورته لأنه ألحقه بالحس وليس بمحسوس فإذا أخبر المحتلم العارف بما رأى عبر له ذلك العارف بنقل تلك الصورة . إلى المعنى الذي ظهر بها فردها إلى أصلها كما أفسد الحلم العلم وأظهره في صورة اللبن فليس بلبن فرده صلى اللّه عليه وسلم ، بتأويل الرؤيا إلى أصله وهو العلم وجرده عن تلك الصورة . وقد جاء رجل إلى محمد بن سيرين رضي اللّه عنه ، فقال : إني رأيت أني أرد الزيت في الزيتون فقال له : أمك تحتك فبحث الرجل عن ذلك فوجد أمه تحته تزوجها وما عنده خبر منها ، وأين صورة نكاح الرجل أمه من رد الزيت في الزيتون فتأمل وبالجملة فكل من رأى الأمر على ما هو عليه فهو صاحب كشف لا صاحب حلم سواء كان في النوم أو في اليقظة انتهى .
( فإن قلت ) : فما معنى حديث : « رؤيا المؤمن على رجل طائر ما لم يحدث بها فإذا حدث بها وقعت » ؟
( فالجواب ) : ما قاله الشيخ في الباب الثامن والثمانين ومائة : إن للّه تبارك وتعالى ملكا موكلا بالرؤيا يسمى الروح وهو دون السماء الدنيا وبيده صور الأجساد التي يدرك النائم فيها نفسه وغيره وصور ما يحدث من تلك الصور في الأكوان فإذا نام الإنسان انتقلت اللطيفة
شرح
لها لذة في طاعة مخصوصة وعمل مقرب فهنالك علة خفية فيخالفها بطاعة أخرى وعمل مقرب فإن استوى عندها جميع التصرفات في فنون سلمنا لها تلك اللذة بالطاعة الخاصة وإن وجدت المشقة في العمل المقرب الآخر الذي هو خلاف هذا العمل فالعدول إلى الشاق واجب لأنها إن اعتادت المساعدة في مثل هذا أثرت في المساعدة في المحظور ، والمكروه ، والمباح وقال في الباب الخامس عشر ومائة ، في قوله صلى اللّه عليه وسلم : لا غيبة في فاسق » الذي فهمته من هذا الحديث أنه نهي لا نفي وعلى ذلك جرى أهل الورع في فهم هذا الحديث أي : لا تغتابوا الفاسق المعين وعرضوا بالغيبة على وجه المصلحة لغير معين كما كان صلى اللّه عليه وسلم ، يقول : « ما بال أقوام يفعلون كذا