في معنى هذا الحديث وفي صحته فنفاه بعضهم وأثبته بعضهم وتوقف في معناه وأوله ولا يحتاج الأمر إلى تأويل فإنه صلى اللّه عليه وسلم ، إنما رأى هذه الرؤية في عالم الخيال الذي هو النوم ومن شأن الخيال أن النائم يرى فيه تجرد المعاني في الصور المحسوسة وتجسد ما ليس من شأنه أن يكون جسدا لأن حضرته تعطي ذلك فما ثم أوسع من الخيال قال : ومن حضرته أيضا ظهر وجود المحال فإنك ترى فيه واجب الوجود الذي لا يقبل الصور في صورة ويقول لك معبر المنام :
صحيح ما رأيت ، ولكن تأويلها كذا وكذا ، فقد قبل المحال الوجود في هذه الحضرة فإذا كان الخيال بهذه القوة من التحكم في الأمور من تجسد المعاني وجعله ما ليس قائما بنفسه وهو مخلوق فكيف بالخالق وكيف يقول بعضهم : إن اللّه تعالى غير قادر على خلق المحال وهو يشهد من نفسه قدرة الخيال على المحال وأطال الشيخ الكلام على ذلك في الباب الثامن والتسعين ومائة . ثم قال : ولو لم يكن من قوة الخيال إلا أنه يريك الجسم في مكانين فيكون الإنسان نائما في بيته ويرى في منامه أن عين جسمه في مدينة أخرى وعلى حالة أخرى تخالف حاله الذي هو عليه في بيته وهو عينه لا غيره ، لمن أدرك الوجود على ما هو عليه ولولا ذلك ما قدر العقلاء على فرض المحال فإنه لولا صورة في نفسه ما قدر على فرضه . قال : ومن هذا الباب مشاهدة المقتول في سبيل اللّه في المعركة وهو عند اللّه حي يرزق ويأكل وروى الترمذي في حديث القبضتين مرفوعا : أن الحق لما فتح قبضته أي : كما يليق بجلاله فإذا فيها آدم وذريته فآدم في هذه القصة في القبضة وهو عينه خارجها فيا من يحيل الجمع بين الضدين ما تقول في هذا الحديث وأطال في ذلك هذا كلامه بحروفه ، فتأمله وحرره واللّه يتولى هداك .
( فإن قلت ) : فإذن المواطن تحكم بنفسها على كل من ظهر فيها فمن مر على موطن انصبغ به كما حكم الخيال على صاحبه برؤية الحق تعالى في صورة ؟
( فالجواب ) : كما قاله الشيخ في الباب الرابع والسبعين وأربعمائة : نعم ، وهو كذلك والدليل الواضح في ذلك ما ذكرته في السؤال من رؤيتك للّه تعالى في المنام . الذي هو موطن الخيال في صورة فإذا كان الحكم الموطن قد حكم عليك في الحق تعالى بما هو منزه عنه فلا تراه إلا كذلك فكيف بغيره ثم إنك إذا خرجت من حضرة الخيال إلى موطن النظر العقلي لم تدرك الحق تعالى إلا منزها عن تلك الصورة التي أدركته فيها في موطن الخيال ، فإذا كان
شرح
لم يكن من أهل الكشف والوجد أن يجتنب كل أمر يؤدي إلى تعلق القلب بغير اللّه فإنه فتنة في حقه وكذلك يجتنب مواضع التهم وصحبة المبتدعين في الدين ما لا يقبله الدين وكذلك يجتنب مجالسة النسوان وأخذ الإرفاق فإن القلوب تميل إلى كل من أحسن إليها بحكم الطبع وليس هناك قوة إلهية على دفع الشهوات النفسية والمعرفة معدومة من هذا الصنف الذي ذكرناه قال :
ولا يخفى أن من كان من المريدين تحت حكم شيخ ناصح فهو بحكم شيخه فيه وإن كان لا شيخ له فعليه الحرج من اللّه في صحبته لكل من يردى به كما على الشيوخ الذين ليس لهم قدم