( فإن قلت ) : إن الحق تعالى أخبر أنه أقرب إلينا من حبل الوريد فإذا كان بهذا القرب العظيم فما المانع من رؤيته ؟
( فالجواب ) : المانع من رؤيته هو شدة القرب كما قال تعالى :
وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلكِنْ لا تُبْصِرُونَ
( 85 ) [ الواقعة : 85 ] . أي : لشدة قربي منكم وقد أطال الشيخ في تفسير قوله تعالى :
لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ
[ الأنعام : 103 ] . في الباب الخامس والعشرين وأربعمائة . وفي الباب الحادي وعشرين ومائتين . وقال في كتابه « شرح ترجمان الأشواق » : اعلم أن الحق تعالى إذا كان الوهم لا يحيط به مع أنه ألطف من الإدراك الحسي فكيف يدركه البصر الذي هو الأكثف انتهى . وكان سيدي علي الخواص رحمه اللّه يقول : قوله تعالى :
لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ
[ الأنعام : 103 ] . صحيح على ظاهره فإن المبصر للحق جل وعلا إنما هم المبصرون بالأبصار لا نفس الأبصار انتهى . فليتأمل .
( فإن قلت ) : فهل ثم وجه جامع بين قول من أثبت رؤية الباري وبين قول من نفاها ؟
( فالجواب ) : نعم كما قاله الشيخ في الباب الثامن والخمسين وخمسمائة ولفظه : اعلم أن الجامع بين من أثبت رؤية اللّه عزّ وجلّ وبين من أنكرها ونفاها أن من أثبتها أراد أنها تكون على قدر وسع العبد ومن نفاها أراد أن حجاب العظمة مانع من رؤية حقيقة الذات وكل من لا يحيط بشيء كأنه ما رآه مع أنه رآه انتهى . وقال في « لواقح الأنوار » أيضا : اعلم أن حجاب الكبرياء على الذات المتعالى لا يرتفع أبدا كما أشار إليه خبر مسلم بقوله صلى اللّه عليه وسلم : « وليس على وجهه تعالى إلا رداء الكبرياء في جنة عدن » وإذا كان الحجاب لا يرتفع فما وقعت الرؤية دائما إلا على الحجاب فصح قول من قال : إن الحق يصح أن يرى ومن قال : لا يصح أن يرى يحمله على هاتين الحالتين انتهى . وأما الكلام على رؤيته تعالى في المنام فقد قدمنا أول المبحث نقول المتكلمين فيها وها نحن نذكر لك نقول : الصوفية . فنقول وباللّه التوفيق : اعلم أن الأصل في صحة الرؤيا ما رواه الطبراني وغيره مرفوعا رأيت الليلة ربي في صورة شاب أمرد قطط له وفرة من شعر وفي رجليه نعلان من ذهب الحديث ، قال الحافظ السيوطي رحمه اللّه : هو حديث صحيح قال الشيخ محيي الدين في الباب الأحد والثمانين وثلاثمائة : قد اضطربت عقول العلماء
شرح
الثامن ومائة فتنة العبد باتساع الدنيا عليه وانقياد الوجود له أعظم من فتنة الضيق وعصيان الخلق له فإن الشهوة آلة للنفس تعلو بعلو المشتهي وتسفل باستفاله وحقيقة الشهوة إرادة الالتذاذ بما يطلب أن يلتذ به قال : والذي أقول به إن صحبة المريدين للأحداث حرام عليهم لاستيلاء الشهوة الحيوانية عليهم بسبب ضعف العقل الذي جعله اللّه مقابلا لها بخلاف الكمل من الرجال الذين ارتقوا عن عالم طبيعتهم فإن الكامل إذا رأى الأمرد أملس لا نبات بعارضيه تذكر مقام تجريده وأنه حديث عهد بربه كالمطر بخلاف الكبير فيراعي ذلك الأمرد كما راعى ذلك المطر من حيث قربه من التكوين هذا مشهد الكمل . قال : ويجب على كل مؤمن ومدع لطريق اللّه إن