تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر ( وفي الحاشية الكبريت الأحمر ) — صفحة 229

مساهمون:

ص٢٢٩
الآية . أي : لا تدركه الأبصار من كل عين من أعين الوجوه وأعين القلوب وذلك أن القلوب لا ترى إلا بالبصر وأعين الوجوه لا ترى أيضا إلا بالبصر فالبصر حيث كان هو الذي يقع به الإدراك فيسمى البصر في القلب عين البصيرة ويسمى في الظاهر بصر العين فكما أن العين في الظاهر محل البصر فكذلك البصيرة في الباطن محل العين الذي هو بصر في عين الوجه فاختلف الاسم عليه وما اختلف هو في نفسه كما لا تدركه العيون بأبصارها ، كذلك لا تدركه البصائر بأعينها انتهى . ( فإن قيل ) : فهل وقعت رؤية اللّه تعالى ، يقظة في الدنيا لأحد غير رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، بحكم الإرث له في المقام ؟ ( فالجواب ) : كما قاله الشيخ عبد القادر الجيلي رضي اللّه تعالى عنه : لم يبلغنا وقوع ذلك في الدنيا لأحد غير رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فقيل له : إن فلانا يزعم أنه يرى اللّه تعالى بعيني رأسه فأرسل الشيخ خلفه وقال له : أحق ما يقول هؤلاء عنك . فقال : نعم . فانتهره الشيخ وزجره عن هذا القول وأخذ عليه العهد أن لا يعود عليه فقيل للشيخ : أمحق هذا الرجل أم مبطل ؟ فقال : هو محق ملبس عليه وذلك أنه شهد ببصيرته نور ذلك الجمال البديع ثم خرق من بصيرته إلى بصره منفذ فرأى ببصره بصيرته حال اتصال شعاعها بنور شهوده فظن أن بصره الظاهر رأى ما شهدته بصيرته وإنما رأى بصره حقيقة بصيرته فقط من حيث لا يدري قال تعالى :
مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ ( 19 ) بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ
( 20 ) [ الرحمن : 19 ، 20 ] . وكان جمع من المشايخ حاضرين فأعجبهم هذا الجواب وأطربهم ودهشوا من حسن إفصاحه رضي اللّه عنه ، عن حال ذلك الرجل ، قال الشيخ عبد القادر الجيلي : وقد تراءى لي مرة نور عظيم ملأ الأفق ثم بدت لي فيه صورة تناديني يا عبد القادر : أنا ربك وقد أسقطت عنك التكاليف فإن شئت فاعبدني وإن شئت فاترك ، فقلت له : اخسأ يا لعين فإذا ذلك النور قد صار ظلاما وتلك الصورة صارت دخانا ثم خاطبني اللعين وقال لي : يا عبد القادر نجوت مني بعلمك بأحكام ربك وفقهك في أحوال منازلاتك ولقد أضللت بمثل هذه الواقعة سبعين من أهل الطريق فقيل للشيخ عبد القادر : فمن أين عرفت أنه شيطان . فقال : بإحلاله لي ما حرمه اللّه على لسان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فإنه تعالى لا يحرم شيئا على ألسنة رسله ثم يبيحه لأحد في السر أبدا انتهى .
شرح
وذلك لأن الكامل مطالب بحفظ ذاته الباطنة عن الغفلة كما يحفظ باليقظة ذاته الظاهرة . ( قلت ) : ذكر الشيخ في الباب الحادي والتسعين أنه يجب على الورع أن يجتنبه في خياله كما يجتنبه في ظاهره لأن الخيال تابع للحس . قال : ولهذا كان المريد إذا وقع له احتلام فلشيخه معاقبته على ذلك لأن الاحتلام برؤيا في النوم أو في التصور وفي اليقظة لا يكون إلا من بقية شهوة في خياله فإذا احتلم صاحب كمال فإنما ذلك لضعف أعضائه الباطنة لمرض طرأ في مزاجه لا عن احتلام لا في حلال ولا في حرام انتهى . فتأمله واللّه أعلم . وقال : في الباب