( فالجواب ) : كما قاله الشيخ في الباب الخمسين وأربعمائة : أنه إنما ثبت لسماع كلام اللّه لأن الحق تعالى كان سمعه عند النجوى يعني : مؤيدا ومقويا لسمع موسى عليه الصلاة والسلام ، لأنه محبوب للّه بلا شك ، وقد أخبر الحق تعالى أنه إذا أحب عبدا كان سمعه وبصره الحديث . لكن قد يجمع اللّه تعالى لمن شاء في هذا المقام الصفات كلها وقد يعطيه بعض الصفات على التدريج شيئا بعد شيء فلذلك صعق موسى عند التجلي إذ لم يكن الحق تعالى بصره إذ ذاك فلو أنه تعالى أيده بالقوة في بصره كما أيده بها في سمعه لثبت للرؤية كما ثبت لسماع الكلام إذ لا طاقة للمحدث على رؤية الحق تعالى ، إلا بتأييد إلهي انتهى .
( فإن قلت ) : فما السبب الذي دعا موسى عليه الصلاة والسلام إلى سؤال الرؤية دون سائر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ؟ فإن كان هو شدة الشوق فنبينا محمد صلى اللّه عليه وسلم أشد شوقا منه بيقين ، لأن الشوق يعظم بشدة المعرفة بعظمة من وقع الاشتياق إلى رؤيته وإن كان الباعث له على ذلك هو التقريب فكل الأنبياء مقربون ؟
( فالجواب ) : كما قاله الشيخ في الباب الحادي والثلاثين وثلاثمائة : أن السبب الداعي له إلى طلب الرؤية : زيادة التقريب على غيره من الأنبياء ما عدا محمدا صلى اللّه عليه وسلم ، فإن الحق تعالى لما أقام موسى في مقام التقريب لم يتمالك أن يمنع نفسه عن سؤال الرؤية ومحمد صلى اللّه عليه وسلم ، منعه الأدب أن يسأل ذلك مع أنه كان بالأشواق إلى رؤية الباري أكثر من موسى عليه الصلاة والسلام ، بيقين فلما سلك مقام الأدب لقوة تمكينه حفظ اللّه عليه المقام حتى دعاه تعالى إلى رؤيته على لسان جبريل عليه الصلاة والسلام ، وأرسل له براقا يركب عليه تشريفا له على موسى عليه الصلاة والسلام ، فعلم أن موسى عليه الصلاة والسلام ، ما منع من الرؤية إلا لكونه سألها عن غير وحي إلهي ومقام الأنبياء يقتضي المؤاخذة بالذرات فلذلك كان الجواب له : لن تراني من حيث سؤاله الرؤية ثم إنه تعالى استدرك استدراكا لطيفا لما علم أن التأديب بلغ حده في موسى من حيث سؤله الرؤية بغير أمر اللّه تعالى فقال له تعالى :
وَلكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ
[ الأعراف : 143 ] . فأحاله على الجبل في استقراره عند التجلي حيث كان الجبل من جملة الممكنات فلما تجلّى سبحانه وتعالى للجبل وهو محدث وتدكدك الجبل لتجليه علم كل عارف
شرح
والسبعين العارف من سلك في توبته مسلك أبيه آدم في الندم ، والاعتراف ، وأما العزم على أنه لا يعود فليس ذلك في يده حقيقة وإنما هو إظهار أدب . أي : لو كان الأمر في يدي ما عصيتك قط جزما فافهم ذلك وحرره .