( فإن قيل ) : فهل يلزم أن يكون ما يشهده المؤمن بقلبه من اللّه تعالى هو المطلوب لوسعه تعالى وتعاليه عن الحصر والتقييد ؟
( فالجواب ) : كما قاله الشيخ في الباب السابع والسبعين وثلاثمائة : لا يلزم من شهود العبد ربه بقلبه أن يكون هو المطلوب بإعلام من اللّه تعالى فيجعل للعبد في نفسه علما ضروريا مثل ما يجد النائم في نومه من رؤية الحق جل وعلا أو رؤية رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فيجد الرائي في نفسه العلم الضروري بأن ذلك المرئي هو اللّه عز وجل أو رسوله صلى اللّه عليه وسلم ، وذلك لوقوع المرئي مطابقا لما هو الأمر عليه فيما يراه إذ لا يدرك أحد الحق تعالى إلا هكذا وأما بالنظر والفكر فلا ، كما مر في مبحث أن حقيقته تعالى مخالفة لسائر الحقائق .
( فإن قيل ) : فهل النور الذي يرى الحق تعالى فيه في الآخرة نور له شعاع كما رآه صلى اللّه عليه وسلم ، في دار الدنيا أم هو نور لا شعاع له ؟
( فالجواب ) : كما قاله الشيخ في الباب الستين وثلاثمائة : أن النور الذي يرى الحق تعالى فيه في الآخرة نور لا شعاع له فلا يتعدى ضوؤه نفسه ويدركه البصر في غاية الوضوح وذلك ليخالف النور الدنيوي وذلك لما قيل له صلى اللّه عليه وسلم : « أرأيت ربك » . فقال : نور أنى أراه ، يقول : كيف أراه وهو نور شعشعاني والأشعة تذهب بالأبصار وتمنع من إدراك من تنشق عنه تلك الأشعة فلا يدرك تعالى في ذلك النور لاندراج نور الإدراك فيه فلذلك لم يدركه مع أن من شأن النور أن يدرك ويدرك به ، كما أن من شأن الظلمة أن تدرك ولا يدرك بها . قال : وإذا عظم النور أدرك ولم يدرك به لشدة لطافته ثم إنه لا يكون إدراك قط إلا بنور من المدرك زائد من ذلك عقلا وحسا .
( فإن قيل ) : من شرط الرائي أن تعطيه رؤيته العلم بالمرئي والإحاطة به ورأينا الذي يرى الحق لا ينضبط له رؤية لمخالفة حقيقته لسائر الحقائق فكيف يقال : إنه رأى ربه عزّ وجلّ ؟
( فالجواب ) : كما قاله الشيخ في الباب الثاني والأربعين وأربعمائة : إلى رؤية الحق تعالى : لا يصح فيها إحاطة ولا تدخل تحت هذا الحد وغاية العلم أن يعلم الرائي له عند الرؤية أنه ما رآه ، وإلا فلو صح له أن يراه حقيقة لعلمه وكيف يعلمه وقد رأى تنوع صور التجليات
شرح
المخلوقات وكون الملائكة تلمذت له حين علمهم الأسماء لا يدل على أنه خير من الملك وإنما يدل على أنه أكمل نشأة من الملك لا غير .
( قلت ) : هذا كان مذهب الشيخ أولا ، ثم رجع عنه كما نبه عليه في الباب الثامن والتسعين ومائة والباب الثالث والثمانية وثلاثمائة من « الفتوحات » . وقال الخلاف في غير محمد صلى اللّه عليه وسلم ، أما هو فهو أفضل الخلق على الإطلاق فراجعه وقد عرف بعضهم الوحي بأنه ما تقع به الإشارة القائمة مقام العبارة في غير عبارة وقال : من خاض في الدنيا فيما يكرهه الحق