تستطيع رؤية من لا صورة له ولكن نتصوره بوسائط وأمثلة ثم تذهب الأمثلة ك
الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً
[ الرعد : 17 ] ويبقى معها رؤية اللّه تعالى حقا كما أن كلام اللّه القديم يتعلمه الناس بأمثلة الحروف في اللوح ثم يمحى اللوح ويبقى القرآن في الحفظ قال الشيخ أبو طاهر رحمه اللّه :
فعلم أنه لا يلزم من كون الشيء لا صورة له أن لا يرى في صورة على ما قررناه ألا ترى أن كثيرا من الأشياء التي لا أشخاص لها ولا صورة ترى في المنام بأمثلة تناسبها بأدنى معنى ولا يوجب التشبيه ولا التمثيل وذلك كالمعاني المجردة مثل الإيمان والكفر والشرف والقرآن والهدى والضلال والحياة الدنيا ونحو ذلك فأما الإيمان فكقول النبي صلى اللّه عليه وسلم : « رأيت الناس في المنام يعرضون منهم من قميصه إلى كعبه ومنهم من قميصه إلى أنصاف ساقيه فجاء عمر بن الخطاب وهو يجر قميصه فقالوا : يا رسول اللّه ما أولت ذلك قال : الإيمان فالإيمان لا شكل له ولا صورة ولكن جعل القميص له مثالا فرؤي بواسطته وكذلك الكفر يمثل في المنام بالظلمة ، وكذلك الشرف والعز يرى بواسطة صورة الفرس وكذلك يمثل القرآن باللؤلؤ ويمثل الهدى بالنور والضلال بالعمى » ولا شك أن بين هذه الأشياء مضاهاة لتلك المعاني المرئية وتجسد المعاني لا ينكره العلماء باللّه تعالى قال : وموضع الغلط في ذلك لمن منع رؤية اللّه في صورة ظنه أن المثل بفتحتين كالمثل بكسر الميم وسكون المثلثة وذلك خطأ فاحش . فإن المثل بالسكون يستدعي المساواة في جميع الصفات كالسوادين والجوهرين ويقوم كل واحد منهما مقام الآخر من جميع الوجوه في كل حال بخلاف المثل بفتحتين فإنه لا يشترط فيه المساواة من كل وجه وإنما يستعمل فيما يشاركه بأدنى وصف قال تعالى :
إِنَّما مَثَلُ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ
[ يونس : 24 ] . والحياة صورة لها ولا شكل والماء ذو شكل وصورة وقد مثل اللّه تعالى به الحياة وكذلك قوله تعالى :
مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ
[ النور : 35 ] وغير ذلك فعلم أنه لا مثل للّه تعالى ولكن له المثل الأعلى في السماوات والأرض . قال : ومن هنا جوز الأكثرون من السلف الصالح جواز تجليه تعالى لعبده في المنام كما مر في الأمثال وأطال في ذلك ثم قال : واللسان يقصر حقيقة عن البيان لأنها أمور ذوقية لا تضبطها عبارة واللّه تعالى أعلم . هذا ما رأيته في كتاب المتكلمين . وأما ما رأيته في كتب الصوفية فمن أفصحهم عبارة فيه الشيخ محيي الدين رضي اللّه عنه ، فقال في الباب الرابع والستين من « الفتوحات » : اعلم أنه
شرح
فالأصل تقديم الليلة على نهارها . قال تعالى :وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ[ يس : 37 ] .
فجعل الليل أصلا وسلخ منه النهار كما تسلخ الشاة من جلدها فكان الظهور لليل والنهار مبطون فيه وقال في قوله تعالى :وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى[ البقرة : 125 ] . أي : موضع دعاء إذا صليتم فيه أن تدعوا لأنفسكم في تحصيل نظير تلك المقامات التي كانت لإبراهيم عليه السلام ، وهو أن يقول أحدنا : اللهم اجعلني أواها حليما أمة قانتا شاكرا لأنعم اللّه منقاد لأمر اللّه صالحا موفيا بالعهد ونحو ذلك ، مما قص اللّه علينا في القرآن وقال : إنما أمرنا بالتضلع من ماء زمزم لأن فيه سرا خفيا وهو أنه يذلل النفس بعد تكبرها وتحققها بمقام العبودية المحضة كما جرب .