ظهر لهم في صورة وهذه الظلمة بمنزلة العدم المطلق القابل للوجود المطلق فعند ما أوجدها تعالى أفاض عليها من ذلك النور المتجلي للعماء فظهر الجسم المعبر عنه بالعرش فاستوى عليه الرحمن بالاسم الظاهر فذلك أول ما ظهر من عالم الخلق ثم إنه تعالى خلق من ذلك النور الممتزج الذي هو مثل ضوء السحر الملائكة الحافين بالسرير وهو قوله :
وَتَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ
[ الزمر : 75 ] ثم إنه تعالى أوجد الكرسي في جوف هذا العرش وجعل فيه ملائكة من جنس طبيعته فإن كل فلك أصل لما خلق منه من عماره كالعناصر فيما خلق منها من عمارها كما خلق آدم من تراب وعمر به وبنيه الأرض ثم خلق في جوف الكرسي الأفلاك فلكا في جوف فلك ثم خلق بعد ذلك الأرواح ثم الغذاء ثم جعل لكل مكلف مرتبة في السعادة والشقاء انتهى .
( فإن قلت ) : قد ورد في الحديث أن الحق تعالى قال للقلم : اكتب علمي في خلقي إلى يوم القيامة فذكر الغاية ، فما حكم ما يقع بعد يوم القيامة أبد الآبدين ؟
( فالجواب ) : أن جميع ما يقع للخلق بعد يوم القيامة من توابع الأحكام التي كتبت عليهم في اللوح حتى الشقاء الأبدي لتجزى كل نفس بما تسعى أبد الآبدين ، ودهر الداهرين . وقال الشيخ في الباب السابع والعشرين وثلاثمائة : إنما خص الحق تعالى الكتابة في اللوح بأمور الدنيا فقط لتناهيها بخلاف أمور الآخرة فإن القلم لا يقدر يكتب علمه فيها لأنها لا تتناهى وما لا يتناهى أمده لا يحويه الوجود والكتابة وجود ا ه .
( فإن قلت ) : فما وجه تخصيص القلم الأعلى بالذكر فهل هناك غيره قلم ؟
( فالجواب ) : كما قاله الشيخ في الباب السادس عشر وثلاثمائة من « الفتوحات » : أن هناك أقلاما أخر دون القلم الأعلى وألواحا أخر دون اللوح المحفوظ كما أشار إليه حديث الإسراء وقوله فيه فوصلت إلى مستوى سمعت فيه صريف الأقلام والصريف هو الصوت .
( فإن قلت ) : فما عدد هذه الألواح والأقلام ؟
( فالجواب ) : عددها ثلاثمائة وستون قلما وثلاثمائة وستون لوحا ذكره الشيخ في
شرح
الصوم لأن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لم يتعرض للمرأة في حديث الأعرابي ولا سأل عن ذلك ولا ينبغي للمؤمن أن يشرع شيئا فيما سكت عنه الشارع . وقال الذي أقول به : إن العارف إذا كشف له أنه يمرض غدا فلا يجوز له المبادرة إلى الفطر في ذلك اليوم حتى يتلبس بالسبب لأن اللّه تعالى ما شرع له الفطر إلا حال المرض قال : ونظير ذلك من كشف له عما يقع فيه من المعاصي ولا بد لا ينبغي له المبادرة ولو علم أن اللّه تعالى لا يؤاخذه لأن اللّه قد راعى حكم الشرع في الظاهر على أن هذا الأمر ليس عندنا بواقع أصلا وإن كان جائزا عقلا ، وأطال في ذلك .
( وقال ) : إنما كان صلى اللّه عليه وسلم يقدم الرطب على التمر إذا أفطر في رمضان لأن الرطب أحدث