فإن ذلك محال لكن لما كان عذاب الكفار لا ينقضي كانوا كالمنسيين عند الملك لكون رحمته لا تنالهم ويقرب من ذلك معنى المكر والاستهزاء ، والسخرية الوارد في جهة الحق المراد به أثره وأنه يعاملهم معاملة الماكر والمستهزئ والساخر واللّه أعلم .
( ومن ذلك ) : لفظ النفس بفتح الفاء في نحو حديث : « إني أجد نفس الرحمن يأتيني من قبل اليمن » . ومعلوم أن الحق تعالى منزه عن النفس الذي هو الهواء الخارج من الجسم المتنفس وقال بعضهم : المراد بالنفس التنفيس . فإن اللّه تعالى نفس عنه صلى اللّه عليه وسلم ، بالأنصار حين أتوه من قبل اليمن وأزال كربه بهم . قال : ويدل عليه إضافة النفس للاسم الرحمن دون غيره من الأسماء التي لا تعطي الرحمة انتهى .
( خاتمة ) : سمعت سيدي عليا الخواص رحمه اللّه يقول : من اعتقد بقلبه أن حقيقته تعالى مخالفة لسائر الحقائق لم يتوقف قط في إضافة صفة أضافها الحق تعالى إلى نفسه فكان ينسب الاستواء مثلا إلى اللّه كما يليق بجلاله من غير تكييف ولا تشبيه إذ التشبيه لا يصح في جانب الحق تعالى أبدا . وقد قال الشيخ محيي الدين في الباب الثالث والسبعين ومائتين من « الفتوحات » : اعلم أنه لا يصح لك تنزيه الحق تعالى عن شيء إلا بعد شهودك بعقلك أن ذلك الشيء نقص وأن ذلك يلحق الحق تعالى . ولو لم تشهد ذلك ما نزهته عنه ، وإلا فكيف تنزهه عن أمر ليس هو مشهودا لك عقلا فإذن التنزيه وجد في الشرع سماعا ولم يوجد في العقل فإن غاية تنزيه العقل للحق تعالى عن الاستواء أن يقول : المراد بهذا الاستواء هو كالاستواء السلطاني على المكان الإحاطي الأعظم أو على الملك فما خرج هذا عن التشبيه فإن غايته أنه انتقل من التشبيه بمحدث ما إلى التشبيه بمحدث آخر فوقه في المرتبة فما بلغ العقل في التنزيه مبلغ الشرع فيه من نحو قوله :
لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ
[ الشورى : 11 ] . ألا تراهم استشهدوا في التنزيه العقلي للاستواء بقولهم :
قد استوى بشر على العراق
وأين استواء بشر على العراق الذي هو عبد من استواء الخالق جل وعلا على أن الشيخ
شرح
الحق تعالى في صور حيوان غير إنسان كما أقامني في أوقات في صورة الملائكة فتأمله وحرره واللّه عليم حكيم . وقال في حديث : « يدع طعامه وشرابه من أجلي » إنما قدم الطعام على الشراب في الذكر لأن الطعام هو الأصل في الغذاء وأما الشراب فيمكن تركه لأن العطش من الشهوات الكاذبة فمن عود نفسه الإمساك عن الماء وإن عطشت أقام واللّه الشهور والسنين ، لا يشتهيه من غير تأثير في المزاج ولا في البدن وتقنع الطبيعة بما تستمد من الرطوبات التي في الطعام وأطال في ذلك الكلام على آداب الخلوة . وقال في حديث : « إذا جاء رمضان فتحت أبواب الجنان وغلقت أبواب النار وصفدت الشياطين » وجه مناسبة الصوم لفتح أبواب الجنان