تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر ( وفي الحاشية الكبريت الأحمر ) — صفحة 194

مساهمون:

ص١٩٤
وهما نعمة الإيجاد ونعمة الإمداد واللّه أعلم ومن ذلك القبضة واليمين في قوله تعالى :
وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ
[ الزمر : 67 ] نظر العقل بما يقتضيه الوضع فعرف من وضع اللسان العربي أن معنى الآية أن الوجود كله في قبضته يعني : تحت تصريفه كما يقال : فلان في قبضة يدي يريد أنه تحت حكمي وليس في يد جارحته منه شيء البتة وإنما أمره وحكمه ماض فيه لا غير مثل حكمه على ما ملكته يده حسا وقبضت عليه فلما استحالت الجارحة على اللّه تعالى عدل العقل إلى روح القبضة ومعناها وفائدتها وهو أن عالم الدنيا والآخرة في قبضة تصريف الحق تعالى وأما قوله بيمينه فإنما ذكرها لأن اليمين محل التصريف المطلق القوى إذ اليسار لا تقوى في العادة قوة اليمين فكنى باليمين عن التمكن من الطي فهو إشارة إلى تمكن القدرة من الفعل فوصل المعنى إلى أفهام العرب بألفاظ يعرفونها وتسارع قلوبهم إلى التلقي لها بالقبول واللّه أعلم . ومن ذلك التعجب ، والضحك ، والفرح ، والغضب نظر العقل فرأى التعجب لا يقع إلا من موجود ورد على المتعجب لم يكن له به علم قبل ذلك وهناك يصح له التعجب منه وكذلك القول في الضحك والفرح ومعلوم أن ذلك محال على اللّه لأنه هو الخالق لذلك الأمر الذي أخبر أنه يتعجب منه أو يضحك لأجله أو يفرح له فرجع المعنى إلى أن مثل ذلك إنما هو تنزل للعقول ليظهر لأصحابها شرف صاحب تلك الصفة التي وقع التعجب منها كما في حديث : « يعجب ربنا من شاب ليس له صبوة » . أي : لا يقع في الزنى مثلا . مع ثوران شهوته قال : ويصح حمل الفرح والرضا والضحك على القبول لذلك الأمر فإن حمل ذلك في جانب الحق كما هو في حق الخلق محال وأما الغضب فهو كناية عن وقوع ذلك العبد الذي غضب عليه في النهي وذلك ليعرف العبد أن الانتقام يعقب الغضب إذ هو أثره فيخاف العبد ويستغفر ربه ويتوب من ذلك الأمر الذي وقع فيه . وقال بعضهم : المراد بالغضب الإلهي هو إقامة الحدود والتعزيرات على العباد في هذه الدار ولا يصح حمله على ما يتبادر إلى الأذهان فإن ذلك محال على الحق فإنه خالق لأفعال عباده فكيف يقع منهم فعل على غير مراده حتى يغضب عليهم وأما الغضب الأخروي فيكون على أهل النار خاصة . أما الغضب على غيرهم ، فينقضي بيوم القيامة ويدخل اللّه تعالى جميع الموحدين الجنة فافهم . ومن ذلك النسيان ومعلوم أنه لا يجوز حمل ذلك في حق الحق تعالى على حكم حمله في حق الخلق
شرح
عند اللّه من ريح المسك » لم يبلغنا أن اللّه تعالى أعطى أحدا من الخلق إدراك شم رائحة الخلوف كالمسك ولا سمعنا بذلك عن أحد ولا ذقناه في نفوسنا بل المنقول عن الكمل من الناس والملائكة التأذي بالروائح الخبيثة . ( قال ) : وما انفرد بإدراكها أطيب من ريح المسك إلا الحق تعالى على أن أفعل التفضيل في جانب الحق محال لتساوي الروائح كلها عنده إذ اختلاف الروائح تابع للمزاج والحق منزه عن ذلك ، قال : ولا أدري هل الحيوان أن يدرك رائحة الخلوف متغيرة أم لا لأني ما أقامني