متى جاءت إلى كل ذات بما تعطيه حقيقة تلك الذات انتهى . وقال في الباب الثاني من « الفتوحات » : اعلم أن كل ما جاء في الكتاب والسنة مما يوهم ظاهره التشبيه ليس هو على بابه وإنما ذلك تنزل لعقول العرب الذين جاء القرآن على لغتهم وذلك مثل قوله تعالى :
ثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى ( 8 ) فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى
( 9 ) [ النجم : 8 ، 9 ] فإن ملوك العرب كان عندها الكريم المقرب يجلس منهم على هذا الحد فعقلت بذلك قرب محمد صلى اللّه عليه وسلم ، من ربه عز وجل ولا تبالي بما فهمت من ذلك سوى القرب . وقال في الباب الثالث منها أيضا : اعلم أنه ما ضلّ من ضلّ من المشبهة إلا بالتأويل على حسب ما يسبق إلى الأفهام من غير نظر فيها يجب للّه عزّ وجلّ من التنزيه فقادهم ذلك إلى الجهل الصريح ولو أنهم طلبوا السلامة وتركوا الآيات ، والأخبار على ما جاءت من غير عدول منهم فيها إلى شيء البتة ووكلوا علم ذلك إلى اللّه ورسوله لأفلحوا وكان يكفيهم
لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ
[ الشورى : 11 ] فمتى جاءهم حديث ظاهر التشبيه قالوا : إن اللّه تعالى قد نفى عن نفسه التشبيه بليس كمثله شيء فما بقي إلا أن لذلك الخبر وجها من وجوه التنزيه وجيء بذلك لفهم العربي الذي نزل القرآن بلسانه على أنك لا تجد قط لفظة في كتاب ولا سنة تكون نصا في التشبيه أبدا وإنما تجدها عند العرب تحتمل وجوها منها ما يؤدي ظاهره إلى توهم التشبيه ومنها ما يؤدي إلى التنزيه فحمل لمتأول ذلك اللفظ على الوجه الذي يؤدي إلى التشبيه ثم إنه يأخذ بعد ذلك في تأويله جور على ذلك اللفظ إذ لم يوفه حقه بما يعطيه وضعه في اللسان مع ما في ذلك أيضا من التعدي على صفات اللّه تعالى حيث حمل عليه ما لا يليق بجلاله قال : ونحن نورد لك بعض أحاديث وردت يعطي ظاهرها التشبيه وليست بنص فيه لتقيس عليها ما لم أذكره لك . فمن ذلك حديث : « قلب المؤمن بين إصبعين من أصابع الرحمن » . نظر العقل بما يقتضيه الوضع من الحقيقة والمجاز فوجد الأصبع لفظا مشتركا يطلق على الجارحة وعلى النعمة تقول العرب : ما أحسن أصبع فلان على ماله فإذا كان الأصبع يطلق على الجارحة وعلى النعمة والأثر الحسن فبأي وجه يحمل الأصبع على الجارحة كأنه نص في ذلك ويترك وجه التنزيه فإما أن العبد يؤول ذلك على ما يليق بالتنزيه وإما أن يسكت ويكل علم ذلك إلى اللّه وإلى من عرفه الحق ذلك من نبي أو ولي ملهم لكن بشرط نفي الجارحة ولا بد اللهم إلا أن يقوم لنا بدعي فلا يحل لنا السكوت بل يجب علينا أن نبين ما يحتمله ذلك اللفظ من التنزيه حتى ندحض حجته كما يقع لنا مع القائلين بالتجسيم فعلم أن معنى الحديث على مذهب أهل الحق من هذا التقرير قلب المؤمن بين نعمتين من نعم الرحمن
شرح
لي غيرة إلهية أن يتلبس العبد بصفته تعالى فإن الصوم صفة صمدانية ولذلك ورد في الصوم أنه لا مثل له أي من العبادات وذلك لأنه وصف سلبي إذ هو ترك المفطرات فلا عين له تتصف بالوجود الذي هو يعقل فهو على الحقيقة لا عبادة ولا عمل وإن أطلق ذلك عليه فهو مجاز وإن وصف العبد به فهو مقيد لا مطلق ذلك عليه كالحق لأن الحق منزه عن الغذاء مطلقا والعبد إنما هو منزه عنه في وقت مخصوص وأطال في ذلك وقال في حديث : « لخلوف فم الصائم أطيب