وبالدعاء وطلب الحوائج فكان ذلك من جملة رحمته لعباده والتنزل لعقولهم ولولا ذلك لبقي صاحب العقل حائرا لا يدري أين يتوجه بقلبه فإن اللّه تعالى خلق العبد ذا جهة من أصله فلا يقبل إلا ما كان في جهة ما دام عقله حاكما عليه فإذا من اللّه تعالى عليه بالكمال واندرج نور عقله في نور إيمانه تكافأت عنده الجهات في جناب الحق تعالى وعلم وتحقق أن الحق تعالى لا يقبل الجهة ولا التحيز وأن العلويات كالسفليات في القرب منه تعالى قال تعالى :
وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ
[ ق : 16 ] وقال صلى اللّه عليه وسلم أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد فعلم أن الشرع ما تبع العرف إلا في حق ضعفاء العقول رحمة بهم ( فإن قلت ) فإذن كل ما كان دنوّ من حضرة الحق تعالى فهو عروج وإن كان في السفليات .
( فالجواب ) : كما قاله الشيخ في الباب التاسع والثمانين وثلاثمائة : نعم لأن الحق تعالى من حيث هو لا يتقيد بالجهات .
( فإن قلت ) : فما الحكمة في إخباره تعالى لنا بأنه تعالى ينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا مع أنه تعالى لا تقبل ذاته النزول ولا الصعود .
( فالجواب ) : الحكمة في ذلك : فتح باب تعليم التواضع لنا بالنزول إلى مرتبة من هو تحت حكمنا وتصريفنا وإعلامنا بأنه كما لا يلزم من الاستواء إثبات المكان كذلك لا يلزم من إثبات الفوقية إثبات الجهة وأيضا فإن إعلامه تعالى لنا بأنه ينزل إلى السماء الدنيا فيقول : هل من سائل هل من مريض هل من مستغفر ونحو ذلك الإذن لعباده في مساعدته بالسؤال وطلب النوال ومناجاته بالأذكار والاستغفار كما أنه تعالى يسامرهم كذلك بقوله : هل من سائل إلى آخر النسق فيقول لهم : ويقولون له : ويسمعهم ويسمعونه من طريق الإلهام كأنهم في مجلس الخطاب وللّه المثل الأعلى هذا معنى النزول عند أهل العقول انتهى . واعلم يا أخي أن صفة الاستواء على العرش والنزول إلى سماء الدنيا والفوقية للحق ونحو ذلك كله قديم والعرش وما حواه مخلوق محدث بالإجماع وقد كان تعالى موصوفا بالاستواء والنزول قبل خلق جميع المخلوقات كما أنه لم يزل موصوفا بأنه خالق ورازق ولا مخلوق ولا مرزوق فكان قبل العرش يستوي على ماذا وقبل خلق السماء ينزل إلى ماذا فانظر يا أخي بعقلك فما تتعقله في معنى
شرح
وقال :إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَالْمَساكِينِ[ التوبة : 60 ] فسماها صدقة لكن الواجب منها يسمى زكاة وصدقة وغير الواجب منها يسمى صدقة التطوع ولا يسمى زكاة شرعا أي لم يطلق عليه الشرع هذه اللفظة مع وجود المعنى فيها من النمو والبركة والتطهير . قال : وإنما سماها اللّه صدقة تنبيها على أنها أمر شديد على النفس تقول العرب : رمح صدق أي صلب شديد قوي إذ النفس تجد لإخراج هذا المال شدة وحرجا كما قال ثعلبة بن حاطب وأطال في ذلك . ثم قال :
ولو أن ثعلبة قال حين قال :لَئِنْ آتانا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ[ التوبة : 75 ] إن شاء اللّه تعالى لفعل ولم يبخل . قال : وإنما لم يأخذها منه النبي صلى اللّه عليه وسلم لإخبار اللّه تعالى أن