يصح سماع خطاب الحق تعالى من غير مظهر صوري ( فالجواب ) كما قاله الشيخ في الباب الرابع والثمانين وثلاثمائة أنه لا يصح لعبد أن يسمع كلام ربه قط إلا من وراء مظهر تقييدي يتجلى الحق تعالى له فيه يكون ذلك المظهر حجابا عنه تعالى ودليلا عليه فلا يشهد عبد قط في حال المنازلات الخطابية إلا مظاهر صورية عنها يأخذ ما يترجم له من الحقائق والأسرار وهي السنة المفهومة ألا ترى أنه تعالى ما كلم موسى عليه الصلاة والسلام إلا في تجليه له في صورة حاجته التي هي النار انتهى .
قلت : وهو كلام يحتاج إلى تحرير فليتأمل واللّه أعلم ( فإن قلت ) فهل يقال إن القرآن القديم حال في القلب بلا صوت وحرف أم بصوت وحرف ( فالجواب ) إن القرآن ما دام في القلب فهو إحدى العينين لا صوت فيه ولا حرف كما مر فهو في قلوب العلماء به على غير الصورة يظهر بها في ألسنتهم لأن اللّه تعالى جعل لكل موطن حكما لا يكون لغيره ثم إن الخيال يأخذه من القلب فيجسده ويقسمه ثم يأخذ منه اللسان فيصيره بشاكلته ذا حرف وصوت ويقيد به سمع الآذان وقد قال تعالى :
فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ
[ التوبة : 6 ] فتلاه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بلسانه أصواتا وحروفا سمعها الأعرابي يسمع أذنه في حال ترجمته فالكلام للّه بلا شك والترجمة للمتكلم به كائنا من كان أي من حيث الحروف والأصوات ويصح إسناد الكلام إلى العبد مجازا كما يأتي بسطه قريبا في باب الأسرار والقلب بيت الرب انتهى ذكره في الباب التاسع والعشرين وثلاثمائة .
وقال في باب الأسرار : لو حلّ بالحادث القديم لصح قول أهل التجسيم القديم لا يحل ولا يكون محلا ولا يعرف المسك إلا من عرفه ولا يضم المعنى سوى حرفه ذكر القرآن أمان وبه يجب الإيمان أنه كلام الرحمن مع قطع حروفه في اللسان ونظم حروفه فيما رقم باليراع والبنان فحدثت الألواح والأقلام وما حدث الكلام وحكمت على العقول الأوهام بما عجزت عن إدراكه الأفهام ولو قدر أنه ينال بالإلهام لكان العامل به هو العلام انتهى .
وقال فيه أيضا الذكر القديم ذكر الحق وإن حكى ما نطق به الخلق كما أن الذكر الحادث ما نطق به لسان الحق وإن كان كلام الحق إذا كان الحق تعالى يتكلم على لسان العبد فالذكر
شرح
نظره إلى غيره وكلامه أقبل عنده لكونه فوض إليه الحكم فيه ولاه وقال في قوله تعالى :هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ[ الأحزاب : 43 ] إنما فصل تعالى بين صلاته علينا وبين صلاة الملائكة دون صلاته تعالى على محمد صلى اللّه عليه وسلم في قوله :إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ[ الأحزاب : 56 ] بينا لتخصيصه صلى اللّه عليه وسلم على غيره من الخلق مع أنه صلى اللّه عليه وسلم دخل معنا أيضا في صلاة الحق في قوله : « عليكم » فحصل له صلى اللّه عليه وسلم الصلاة عليه جمعا وإفرادا .
( وقال ) : من غيرة اللّه تعالى أنه ما من مخلوق إلا ولمخلوق آخر عليه يد بوجه ما فإن أراد مخلوق الفخر على مخلوق بما أسداه إليه من الخير نكس رأسه ما كان من مخلوق آخر إليه