وعبارة الشيخ أبي طاهر القزويني في كتابه « سراج العقول » : وقد أجمع السلف كلهم على أن القرآن كلام اللّه غير مخلوق من غير بحث منهم بأنه القراءة أو المقروء أو الكتابة أو المكتوب كما أجمعوا على أنهم إذا زاروا قبر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أن المزور والمصلى والمسلم عليه هو النبي صلى اللّه عليه وسلم من غير بحث أنه شخصه أم روحه وأطال في ذلك في الباب الخامس من كتابه ( فإن قلت ) فهل نزلت الأحاديث القدسية على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لفظا أو معنى ( فالجواب ) أنها نزلت معنى لا لفظا فعبر عنها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بعبارته هو وذلك لأنها لم تنزل للإعجاز بألفاظها كالقرآن وهي كلام اللّه تعالى بلا شك ( فإن قلت ) فما معنى قوله تعالى :
إِنَّا جَعَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا
[ الزخرف : 3 ] فإنه يوهم أنه مخلوق ( فالجواب ) ليس الجعل بمعنى الخلق في سائر الأحوال بدليل قوله تعالى :
وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثاً
[ الزخرف : 19 ] ( فإن قلت ) فهل يجوز لأحد أن يعتقد أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بلغنا شيئا من القرآن على المعنى ( فالجواب ) لا يجوز لأحد اعتقاد ذلك لأنه لو قدر أنه تصرف في اللفظ المنزل ورواه بالمعنى لكان حينئذ مبينا لنا صورة فهمه لا صورة ما نزل واللّه تعالى يقول :
لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ
[ النحل : 44 ] فمن المحال أن يغير صلى اللّه عليه وسلم أعيان تلك الكلمات وحروفها بل لو فرض أنه صلى اللّه عليه وسلم علم جميع معاني كلام اللّه عز وجل بحيث لا يشذ عنه شيء من معانيه وعدل عما أنزل فأي فائدة للعدول وحاشاه من ذلك إذ لو تصرف في صورة ما نزل من الحروف اللفظية لكان يصدق عليه أنه بلغ الناس ما نزل إليهم وما يتنزل إليهم ولا قائل بذلك فافهم ، وقد أطال الشيخ الكلام على حديث القوم الذين يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم في الباب الخامس والعشرين وثلاثمائة من « الفتوحات » فراجعه ( فإن قلت ) فما مثال الوحي إذا ظهر لنا بالألفاظ ( فالجواب ) أن مثال ظهور الوحي بالألفاظ مثال ظهور جبريل عليه الصلاة والسلام في صورة دحية فإن جبريل لم يكن حين ظهر فيها بشرا محضا ولا ملكا محضا ولا كان بشرا ولا ملكا معافى حالة واحدة فكما تبدلت صورته في أعين الناظرين ولم تتبدل حقيقته التي هي عليها فكذلك الكلام الأزلي والأمر الأحدي يتمثل بلسان العربي تارة وبلسان العبري تارة وبلسان السرياني أخرى وهو في ذاته أمر واحد أزلي فالكافر والمشرك يسمع كلام اللّه وموسى عليه الصلاة والسلام يسمع كلام اللّه ولكن بين سماعيهما بعد المشرقين إذ لو كان سماعهما واحدا لبطل الاصطفاء .
شرح
جهات متعددة ويضم بعضها إلى بعض ليقوي بعضها بعضا وأما حديث بادرني عبدي بنفسه حرمت عليه الجنة ، أي قبل رؤيتي لا سيما من قتل نفسه شوقا إلى ربه فإن القاتل نفسه لولا ظن الراحة عند ربه ما قتل نفسه ولا بادر إلى ذلك واللّه يقول : أنا عند ظن عبدي بي قال :
وهذا هو الأليق أن يحمل عليه لفظ هذا الخبر الإلهي إذ لا نص صريحا يخالف هذا التأويل وإن ظهر فيه بعد فلبعد الناظر في نظره من الأصول المقررة التي تناقض هذا التأويل فإن في الصحيح أخرجوا من النار من كان في قلبه أدنى من مثقال حبة من خردل من إيمان فلم يبق إلا ما ذكرناه ا ه فليتأمل ويحرر .