قال الشيخ أبو طاهر القزويني رحمه اللّه بعد كلام طويل : وبالجملة فالأئمة الكبار من شيوخ السلف مثل الإمام أحمد وسفيان وسائر أصحاب الحديث كانوا أكثر علما وأغزر فهما وأكمل عقلا ومع ذلك فزجروا أصحابهم عن الخوض في مثل ذلك لدقته وغموضه كما ذموا علم الكلام لعلمهم بأن استخلاص العقائد الصحيحة من بين فرث التشبيه ودم التعطيل عسر جدا إلا على من رزقه اللّه الفهم عنه إذ غالب الناس لا يتفطنون للفرق بين المقروء والقرآن فخاف السلف على أصحابهم أن تتزلزل عقائدهم فأمروهم بمحافظة الأمر الظاهر والإيمان به قطعا من غير بحث على المعنى الحقيقي إذ قد صح إيمان المؤمنين باللّه وملائكته وكتبه ورسله وقالوا لأصحابهم : اقرؤوها كما جاءت من غير كيف وقولوا آمنا به وصدقنا ولعمري إن في ذلك مصلحة عظيمة للعوام وأما الأئمة فمحال أن يخفى عليهم التحقيق في هذه المسألة رضي اللّه تعالى عنهم .
قال الحافظ الذهبي رحمه اللّه : وإنما وقعت المحنة للعلماء في زمن المأمون دون غيره من الخلفاء لأن المأمون كان فقيها ماهرا قد طالع كتب الفلاسفة فجره ذلك إلى القول بخلق القرآن ولولا ذلك لكان من أحسن الخلفاء عقيدة ورأيا ودينا وأدبا وسؤددا ثم تولى بعده أخوه المعتصم فامتحن العلماء كذلك في مسألة خلق القرآن وجدد مذهب أخيه المأمون ثم تولى بعده الواثق بن المعتصم فامتحن العلماء كذلك بإغراء أحمد بن أبي داود مدة ثم تاب الواثق وأظهر السنة انتهى واللّه تعالى أعلم .
وأما نقول الشيخ محيي الدين رضي اللّه تعالى عنه في هذه المسألة فقال في الباب الرابع والثلاثين من « الفتوحات » ( إن قلت ) ما الحكمة في تخصيص نزول القرآن في ليلة القدر ( فالجواب ) إنما خص نزوله بليلة القدر لأن بالقرآن تعرف مقادير الأشياء وموازينها وكان نزوله في الثلث الآخر منها انتهى ( فإن قلت ) فما المراد بقوله تعالى :
ما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ
[ الأنبياء : 2 ] ( فالجواب ) كما قاله الشيخ في الباب التاسع والستين وثلاثمائة : إن المراد أنه محدث الإتيان لا محدث العين فحدث علمه عندهم حين سمعوه وهذا كما تقول حدث اليوم عندنا ضيف ومعلوم أنه كان موجودا قبل أن يأتي وكذلك القرآن جاء في مواد حادثة تعلق
شرح
( وقال ) : وجه من منع الصلاة على شهيد المعركة كونه جاء بنص القرآن كحياة زيد وعمرو ومن كان بهذه المثابة فلا يصلى عليه ووجه من قال : يصلي عليه مع اعتقاده إيمانا أنه حي كونه انقطع عمله فهو وإن كان حيا قد انقطع عن العمل فيدعى له فيزاد في درجاته ويصير ذلك كأنه من عمله وقال : الذي أقول به في الأطفال المسبيين من أهل الحرب إذا ماتوا ، ولم يحصل منهم تمييز ولا عقل بأنه عليهم فإنهم على فطرة الإسلام كما في حديث : « كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه » وأنه قال : وما قلنا أولى ممن قال : لا يصلى عليهم لأن الطفل مأخوذ من الطفل وهو ما ينزل من السماء غدوة ، وعشية ، وهو أضعف من الرش