تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر ( وفي الحاشية الكبريت الأحمر ) — صفحة 106

مساهمون:

ص١٠٦
معرفته تعالى انتهى . وقد قال بعض العارفين لشخص من مشايخ العصر : ممن اعتقدت القرب حتى دعوت الناس إليه . فإن قلت اعتقدت قربي من اللّه تعالى قلنا لك هذا تحديد الحق ومن حدد الحق فقد جهل والجاهل لا يكون داعيا وإن قلت إنما دعوت الناس إلى طريق سعادتهم قلنا لك سعادة السعداء من الخلق لم تزل قائمة بهم وما برحت معهم في حال دعائهم إليها وما دعت الأكابر قومها إلا امتثالا لأمر ربهم لا غير انتهى ( فإن قلت ) فإذا كان الحق تعالى لا تعقل ذاته فالجهات كلها متساوية في توجهنا له تعالى فلماذا شرع لنا استقبال الكعبة بالخصوص حال صلاتنا وغيرها ( فالجواب ) كما قاله الشيخ في « لواقح الأنوار » أن الحكمة في تخصيص الاستقبال بجهة الكعبة كوننا لا تجتمع قلوبنا إلا إذا توجهنا إلى جهة واحدة لأن أحدنا ذو وجهة فلا يقبل أن يتعقل إلا ذا جهة ومن هنا قالوا كل ما خطر ببالك فاللّه تعالى بخلاف ذلك ، وأوجبوا على العبد أن ينزه الحق تعالى عما ظهر له ويصرفه عن خاطره فافهم . فكان تخصيص توجهنا إلى الكعبة شفقة من الحق تعالى علينا ليجمع هممنا عليه سبحانه وتعالى وإلا فسائر الجهات في حقه تعالى سواء قال تعالى :
فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ
[ البقرة : 115 ] قال واعلم أنه من أعجب الأمور أن العبد يعلم ويتحقق أن الحق تعالى ليس في جهة ثم مع ذلك يغلب وهمه على عقله فلا يشهد الحق تعالى إلا متعاليا في جهة الفوق وربما يستدل بعضهم بقوله تعالى :
يَخافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ
[ النحل : 50 ] وليس في الآية دليل صريح على ذلك لأن المراد يخافون ربهم أن ينزل عليهم عذابا من فوقهم يعني من السماء أو المراد فوقية الرتبة والمكانة لا المكان ( وروى ) الحكيم الترمذي مرفوعا إن اللّه احتجب عن العقول كما احتجب عن الأبصار والملأ الأعلى يطلبونه كما تطلبونه ، قال : ومن هنا قال المحققون : إن علم العبد بأن اللّه تعالى يراه أكمل في التنزيه من شهود كون العبد كأنه يراه لأن العبد لا يشهده إلا مقيدا غير مطلق وتعالى اللّه عن التقييد . قال الشيخ وليحذر المصلي حال استقباله الكعبة أن يرى نفسه مستقبلا في جهة معينة بل يرى الجهات كلها متساوية وهي وجه الحق تعالى عند المحققين ومن توهم أن نفسه قد أحاطت بها الجهات كصورته الظاهرة وبقي الحق في وهمه كالدائرة المحيطة به فهو لم يشم من معرفة اللّه تعالى رائحة ولو كان محققا لرأى نفسه لم تحط بها الجهات الست وذلك لأنها ليست من عالم
شرح
المصلي بهذه المثابة من جمع عالمه كله على عبادة ربه كان كاذبا في قوله : نعبد ونستعين فإذا رآه الحق ملتفتا إلى شيء قال له : كذبت ، قال كذلك قول الحق إذا حمده عبده : حمدني عبدي ، لا يكون له ذلك الحمد إلا إن حضر بكليته فإن غاب فما حمد الحق إلا لسانه فقط فلا يقول له الحق : حمدني عبدي وإنما يقول : حمدني لسان عبدي وذلك لأن اللّه لما فرض على العبد أن يناجيه بكليته فلا تقوم جارحة من جوارحه إلا عن نفسها فقط . ( قلت ) : وسيأتي في الباب التاسع والسبعين وثلاثمائة إن شاء اللّه تعالى : أن الشارع صلى اللّه عليه وسلم
اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر ( وفي الحاشية الكبريت الأحمر ) — صفحة 106 | عبد الوهاب الشعراني