وكذلك ينبغي أن يستر ما « 1 » عطف الحق تعالى به على قلوب العلماء مما قال به عمّا يقتضيه جلاله من الغنى على الإطلاق نحو : « جعت فلم تطعمني ، ومرضت فلم تعدني » « 2 » ، فإنه تعالى قد أوّل لعبده ذلك حين استنكره . وقال : « لو عدته لوجدتني عنده » ، فأعطى للعالم في هذا الستر علما أخبر به لم يكن عنده ، وذلك أنه في الأول جعل نفسه بمنزلة المريض ، فكأنه عين المريض ، وفي تفسيره ذلك جعل نفسه بمنزلة العائد للمريض ، فإن العائد للمريض عند المريض ، أو جعل نفسه عند المرض الذي هو عند المريض ، والستر في ذلك للعامي أن يقال له في قوله : « لوجدتني عنده » ، لأن حال المريض أبدا الافتقار والاضطرار ، والغالب عليه ذكر اللّه في دفع ما نزل به ، بخلاف الأصحاء ، وهو سبحانه قد قال : « أنا جليس من ذكرني » « 3 » ، فيقنع العاميّ بذلك ، وهو وجه صحيح في نفس الأمر « 4 » ، ويبقى العالم بما يعلمه على ذلك على علمه ، ويسمى هذا التلبيس المحمود « 5 » . وهو وظيفة الكمّل من الورثة رضي اللّه عنهم ، فإنهم لو أظهروا للخلق ما يعلمونه من الأسرار لرموهم بالزندقة والكفر كالحلاج وأضرابه ، واللّه يحفظ من يشاء كما يشاء .
هامش
( 1 ) بالأصل : من ، وما أثبتناه أقرب للصواب .
( 2 ) رواه مسلم ( 4 / 1990 ) ، وابن حبان ( 1 / 503 ) ، والديلمي في الفردوس ( 5 / 235 ) .
( 3 ) رواه ابن أبي شيبة في المصنف ( 1 / 108 ) ، والبيهقي في الشعب ( 1 / 451 ) ، وأبو نعيم في الحلية ( 6 / 42 ) .
( 4 ) وهذا تأويل ، وما دام صحيحا في نفس الأمر ، فليس التأويل باطلا بإطلاق .
( 5 ) قال سيدي محمد وفا رضي اللّه عنه وعنّا به : التلبيس هو تمويه بغير المقصود غيرة عليه من شوائب الشّين الحاصلة مع الأوهام المتعرضة ، وحقيقته : كتمان في مبالغة توجب نسيان المضنون به ، وغايته : إبهام جبروت عزة الألوهية على كل إدراك سليم من آفات الذهول ، ونظر صحيح من أمراض الاعتلال المخصوص المفرد المعجوز عن حقيقة خصوصيته معرفة ووجودا اه .