تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الميزان الذرية المبينة لعقائد الفرق العلية — صفحة 96

مساهمون:

ص٩٦
قلنا : إنه لا يلزم على ذلك أنه حدث له وصف بحدوث الموصوف ، وهو سبحانه منزّه عن أن تكون صفاته حادثة ، وأيضا فإن الاستيلاء على العرش أو على أمر ما لا يصحّ عند العرب إلا بعد عدم الاستيلاء كما تقدّم ، ثم أن التشبيه حقيقة إنما هو في الاستواء ، لا في المستوى . والاستواء نسبة معلومة ، فتنسب إلى كل منسوب بما تقتضيه حقيقة ذلك المنسوب ، وإذا كان الأمر كذلك فكيف يقال : استوى على العرش كما استوى بشر على العراق ، وقد عرفنا بشرا بحدّه وحقيقته ، فعرفنا نسبة استوائه على العراق ، فهل حقيقة المستوى على العرش كحقيقة بشر المستوى على العراق ، لتصبح المقابلة والمناسبة ؟ . وقد تحقّقنا أنه ليس كمثله شيء ، فلا مناسبة . وحاصل الأمر : أنهم انتقلوا عن التشبيه بمحدث ما إلى التشبيه بمحدث آخر فوقه في المعنى ، فما بلغ العقل في تنزيهه مبلغ :
لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ
( الشورى : 11 ) . وسمعت شيخنا رضي اللّه عنه يقول : من أعظم ما وقع فيه العقلاء من سوء الأدب مع اللّه تعالى عدم قبولهم ما أضافه الحق إليه ، فتراهم يكذبون بكل حال جعل الحق تعالى فيها نفسه مع عباده ، فهم ينزهونه عن كل ما أضافه إلى نفسه ، ويجعلون نفوسهم أعلم بربهم من رسولهم ، واللّه تعالى ما أمرهم أن ينزهوه إلا بما أنزله على ألسنة رسله فقط لا بعقولهم . وقد قال تعالى :
سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ
( الصافات : 180 ) : يعني عمّا يصفوني بعقولهم ، لا بما وصفت به نفسي . ومعلوم أن : العزة هي المنعة ، فامتنعت ذاته أن تكون محلا لما وصفه به الملحدون ، والحق تعالى منزّه الذات لنفسه ، ما تنزه بتنزيه عبده إياه ؛ فلذلك كان