تنزيه العلماء باللّه تعالى للحق إنما هو علم لا عمل ، إذ لو كان عملا لكان اللّه تعالى الذي هو المنزه محلا لأثر هذا العمل ، فتفطن لهذه الإشارة فإنها في غاية اللطف .
وكان شيخنا رضي اللّه عنه يقول : لا يوجد لنا قطّ تنزيه مطلق مجرد عن التشبيه أبدا ، لأن ذلك سمع في الشرع ، ولم يوجد في العقل ، وأعظم ما وصلت عقولهم إليه قولهم : إن استواء الحق كبشر على مملكته كما مرّ .
فصل
ما قدّمنا قبله في الفصل من كراهة التأويل إنما هو في حق من كمل إيمانهم وتصديقهم لما أخبرت به رسلهم من العلماء العقلاء .
أما من ليس بعالم ولا عاقل فيجب ستر السر « 1 » الإلهي عنه بالتأويل ؛ لأن كشف المعنى عن ذلك له ربما يؤدي إلى عدم احترام الجناب الإلهي الأعز الأحمى .
وكذلك ينبغي للعالم أن يستر على الجاهل سر نحو قوله تعالى :
مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ
( المجادلة : 7 ) . ونحو قوله :
وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ
( ق : 16 ) . ونحو قوله صلى اللّه عليه وسلم : « فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به ، وبصره الذي يبصر به إلى غير ذلك » .
فإن الجاهل إذا سمع ذلك ربما أداه إلى فهم محظور : من حلول ، أو تحديد ونحوها ، فينبغي ستر ذلك .
هامش
( 1 ) قال سيدي محمد وفا رضي اللّه عنه وعنّا به : السر هو ما يخفى في البيان ، وحقيقته : معنى يعجز عن تصور ما هو الفكر البشري ، وغايته : وجدان يقوم بالقلب لا يمكن التعبير عنه بوجه من الوجوه ا ه المقامات ( ص 21 ) .