ونظم خاصّ يسمّى اصطلاحا ؛ لكن لها من الحرمة ما للمسمى ، واللّه أعلم .
فصل في الحيرة
الحيرة في اللّه من كمال المعرفة به ، وهي سارية في العالم النّوريّ والنّاريّ والترابيّ ، لأن العالم ما ظهر إلا على ما هو عليه من العلم الإلهيّ ، وما هو في العلم الإلهيّ لا يتبدّل ،
فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ
( الروم : 30 ) الآية .
فما فطر العالم إلا على الحيرة ، وذلك لأن المرتبة الإلهية تنفي بذاتها التقييد عنها ، والقوابل تنفي الإطلاق عنها ، ولا تشهد إلا صورتها من التقييد .
فهذا هو سبب شدة الحيرة في الوجود ، ولا أحد أشدّ حيرة في اللّه من العلماء به ، ولهذا ورد أنه صلى اللّه عليه وسلم كان يقول : « زدني اللّهمّ فيك تحيّرا » « 1 » ، ومع ذلك فأعلى ما يصل إليه العلماء باللّه تعالى من طريق نظرهم مبتدأ البهائم ؛ لأنها كغيرها مفطورة على الحيرة في اللّه عزّ وجل ، والإنسان يريد أن يخرج بما أعطاه اللّه تعالى من العقل والرؤية وإمعان النظر عن الحيرة التي فطر عليها ، فلا يصحّ له ذلك .
وإلى هذا الذي قررناه الإشارة بقوله تعالى في حقّ قوم :
إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا
( الفرقان : 44 ) ، فإن التشبيه بالأنعام إنما هو في الحيرة لا في المحار فيه ، فليس ذلك نقصا في الأنعام ، وقوله :
بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا
: أي طريقا ، لأنهم زادوا على ضلال البهائم وحيرتهم في اللّه ، والحيرة عمى بلا شكّ ،
هامش
( 1 ) حديث ذكره السادة الصوفية في كتبهم ، ولم نقف على تخريجه في المصادر المتاحة .