ثم لما ثبت عندنا أنه تعالى لا يشبه الأجسام فيكون مستقرّا ولا يشبه المعاني فيكون استواؤه استيلاء في قهر فحينئذ قلنا : إن من حمل الحق تعالى على نسبة المعاني فقد حصل في ضرب من التشبيه بالمعاني المحدثة ، وإذا حصل تشبيهه سبحانه بالمحدثات فأي شيء أنكروه على من قال بالاستقرار الذي هو من صفات الحس ، وكلا الأمرين حادثان .
ولو جاز إطلاق أحد الأمرين لكان إطلاق الاستقرار أولى في النسبة ؛ لكون العرش قد جاء بمعنى السرير في قوله صلى اللّه عليه وسلم : « إنّ الكرسيّ في جوف العرش كحلقة ملقاة في أرض فلاة » « 1 » .
فأثبت صلى اللّه عليه وسلم وجود عين العرش وماهيته ، فخرج العرش بهذا الخبر أن يكون ملكا حتى يستولي عليه ، وتعيّن أن يكون سريرا ، والعرش عند العرب هو السرير ، ثم لا يخفى أن حقيقة الاستيلاء يلزم فيها طروء وصف ؛ إذ لا يقال استولى على كذا ، إلا إذا كان على حالة قبل ذلك ليس هو مستوليا عليها ، فقد تقدّم على ذلك عدم الاستيلاء ثم حدث الاستيلاء .
فإن قيل : إنما حدث المستولى عليه .
هامش
- الجسمية ليس مما استقر عليه السلف ، فهل يشك عاقل في أن عدم نفي الجسمية عن اللّه تعالى هو إيقاع للمسلم في شبهة نقص في الذات المقدسة ؟ ! وهل الجسمية هذه صفة كمال أم صفة نقص أصلا ؟ فلا يلام الإمامان الأشعري والماتريدي على سعيهما في نفي الجسمية عن ذات الحق والجسمية عين المماثلة الخالق والخلقلَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ( الشورى :
11 ) .
( 1 ) رواه أبو نعيم في الحلية ( 1 / 167 ) ، وابن حبان في الصحيح ( 2 / 77 ) ، وكما في الموارد ( 1 / 53 ) ، وأبو الشيخ في العظمة ( 2 / 570 ) .