وقد أجمع المحققون من أهل اللّه أنه ليس في كلام العرب مجاز أصلا ، إنما وصفوا ألفاظهم حقيقة لما وضعوها له ، فإنهم وضعوا يد القدرة للقدرة ، ويد الجارحة للجارحة ، ويد المعروف للمعروف ، ومن ادّعى أنه تجوّز في ذلك فعليه النقل ، ولا سبيل إلى نقل في ذلك . ولما قالوا فلان أسد فإنهم وضعوا هذا حقيقة في لسانهم أن كل شجاع يسمّى أسدا ، فوصفوا هذا الإطلاق حقيقة لا مجازا .
وإذا كان الأمر على هذا فلتعلم أن جميع ما ورد في الكتاب والسنة من الأحاديث التي جاء فيها ذكر اليد والعين والجنب والأصابع وغير ذلك لا يقضي منه بتشبيه ؛ لأن التشبيه إنما يكون بلفظة المثل الذي هو المساوي ، أو كاف الصفة وما عدا هذين الأمرين فإنما هو ألفاظ اشتراك ، فتنسب حينئذ متى جاءت إلى كل ذات بما تعطيه حقيقة تلك الذات « 1 » .
هامش
( 1 ) فتحصل من ذلك أن نسبة اليد إلى اللّه ليست كنسبتها إلى البشر ، ولا يقال حينئذ إنها يد حقيقية كما يقول الوهابية الحشوية ، كي لا يوهم ذلك تشبيه اليد المنسوبة المولى عز وجل بيد البشر . ومن المعلوم أن أهل السنة والجماعة الأشاعرة رضوان اللّه عليهم وجزاهم اللّه خير الجزاء ما دخلوا في الكلام ابتداء إنما دخلوا فيه للرد على الفرق الأخرى كالمعتزلة والشيعة والمشبهة ، والتسوية بين الأشعري والمعتزلي في إيراد الشبه مداره على كلام الشيخ الأكبر رحمه اللّه والمعتزلة متقدمون بالزمان على الأشاعرة ، فلو قدر أن ترك أهل السنة شبهات المعتزلة خاصة دونرد لكان الناس الآن غارقين في القول بوجوب العدل على اللّه وبالمنزلة بين المنزلتين وغير ذلك ، ولكنهم قاموا ما توجب عليهم أن يقوموا دفعا للشبه ، فلا يلامون رضوان اللّه عليهم في مسعاهم ، وعقيدتهم هي الأقرب لما كان عليه صحابة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كما نص عليه ولي اللّه الدهلوي في ( الخير الكثير ) وهي كافية شافية للمسلم ، ويكفي في هذا غلبة الظن والأدب العالي للأشاعرة مع ذات اللّه عز وجل على خلاف المعتزلة ، وهي طريق موصلة إلى الجنة بإذن اللّه تعالى .
وقد ذكرنا في حواشي كتاب « إرشاد الطالبين » للمؤلف رضي اللّه عنه أن ابن تيمية نقل مذهب سيدي محي الدين بن عربي في المجاز ولم ينسبه له ثم افترق عنه بالقول بالجسمية وزعم أن نفي -