فالإمكان لنا كالوجوب له ، ولعلّ ما قررناه في العلم الإلهي هو مراد أكابر الفلاسفة ؛ فإنه بعيد على أرباب العقول أن يقولوا بقدم العالم على هذه الهيئة الظاهرة ، مع سرعة زواله وتغيره واستحالته ، وغير ذلك مما يخالف صفات القدم ، ولكن غالب المنتمين إلى المذاهب لا يوجّهون لأخصامهم أقوالهم ، ويردون عليهم بالصدر كما هو مشاهد بين أرباب المذاهب في أحكام الشريعة ، فضلا عن غيرها .
مطلب : السبب الذي من أجله دخل الغلط على الفلاسفة
وحكى عن الشيخ محيي الدين رضي اللّه عنه : أنه قال : عملت على الاطلاع على السبب الذي من أجله دخل الغلط على الفلاسفة فرأيت أن الغلط إنما دخل عليهم من التأويل ؛ فإنهم لا يأخذون إلا عن إدريس عليه الصلاة والسلام ، وهو معصوم بلا شكّ في علمه باللّه تعالى وبأحكامه ، فدخل عليهم الغلط من قبل أنفسهم لا من قبل إدريس عليه الصلاة والسلام ، فإن علماءهم صاروا يؤولون كل شيء بلغهم مما تتوقف فيه عقولهم ، فاختلفوا في معناه ، كما اختلف علماء الإسلام في تأويل كلام شريعتهم ، فاحلّ هذا شيئا وحرّمه الآخر على قدر فهمه انتهى .
فلو عمل الناس على جلاء مرائيهم لم يقفوا قطّ في فهم شيء من كلام ربهم ، ولا من كلام نبيهم صلى اللّه عليه وسلم ؛ لأن الشريعة كلها جاءت بلسان عربيّ مبين ، يسع أفهام سائر من شملتهم الدعوة من الصدّيق إلى الزنديق ، ومن انجلت مرآة قلبه صار الحق تعالى هو المعلّم له ، وهناك تكون المسألة منه وشرحها منه كما مرّ تقريره .
ثم لا يخفى أن من شرط العلم اللدني ألا تزلزله الأدلة ، ولا يدخله شكّ ولا حيرة ولا استدارج ، وذلك لأن العلوم اللدنية لا تأتي إلا موافقة للشرائع ، وما قال بمخالفتها إلا من لم يمعن النظر ، ومعلوم أن الأحكام الشرعية لا تنصب حبالة للمكر الإلهي ، فإنها عين طريق السعادة ، فكيف يدخلها استدراج .