فصاحب الإلقاء الإلهي ملحق بمعلّمه ، وصاحب النظر وما بعده ملحق بمعلّمه من النظر أو المخلوق ، ولهذا الذي ذكرناه من أن العلم الظنيّ يجوز أن ينال به اليقين جعل المحققون من الصوفية أفلاطون الحكيم معدودا من العلماء باللّه تعالى ؛ لأنه خرج بنظره مخرج الكشف والوجود ، فهو نادر في الحكماء الأقدمين ، فما كرهه من كرهه من أهل الإسلام إلا لنسبه إلى الفلسفة ، لجهلهم بمدلول تلك اللفظة .
والحكماء على الحقيقة هم العلماء باللّه تعالى وبأحكامه .
واللّه تعالى هو الحكيم العليم ، قال اللّه تعالى :
وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً
( البقرة : 269 ) .
والحكمة هي علم النبوة ، كما قال تعالى في حق داود عليه الصلاة والسلام :
وَآتاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشاءُ
( البقرة : 251 ) .
والفيلسوف معناه محب الحكمة ؛ لأن ( سوفا ) باللسان اليوناني هي الحكمة ، وكل عاقل بلا شكّ يحب الحكمة .
غير أن أهل الفكر خطؤهم في الإلهيات أكثر من إصابتهم ، سواء كان فيلسوفيّا أو معتزليّا أو أشعريّا ، أو من كان من أصناف أهل النظر . فما ذمت الفلاسفة لمجرد هذا الاسم ، وإنما ذموا لما أخطأوا فيه من العلم الإلهي ، مما يعارض ما جاءت به الرسل ، كقولهم بقدم العالم مع الإجماع على حدوثه « 1 » ، فلو كانوا أرادوا
هامش
( 1 ) كرر الشيخ الأكبر القول على حدوث العالم في « الفتوحات » في نحو ثلاثمائة موضع ، ومن ذلك قوله : ظهر القائلون بقدم العالم ؛ لظنهم ارتباط الذات بالعالم كارتباط الألوهية التي هي مرتبة الذات لا عين الذات ا ه .
وقال في نفس الباب : ما ثمّ لنا إلا رتبتان : قدم ، وحدوث ، فالحق له رتبة القدم ، والمخلوق -