تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الميزان الذرية المبينة لعقائد الفرق العلية — صفحة 87

مساهمون:

ص٨٧
لا شريك له ، وجميع الخلق إنما هم مقلدون لما زاد على ذواتهم من قوى الحواس ، والحواس كلها تقلد العقل ، والعقل يقلد الفكر ، والفكر منه ما يكون صحيحا ، ومنه ما يكون فاسدا ، وعلمه بالأمور على ما هي عليه إنما هو اتفاق ، وإذا كان ولا بدّ من التقليد فقلّد ربّك أو اعمل على جلاء مرآتك بكثرة الطاعات ، حتى يستنير قلبك وتنزل في العلم باللّه تعالى إلى حدّ يزيل عنك كل شبهة ، ويرتفع الخطأ المطلق عندك في العالم ، فإن للّه عزّ وجل في كل شيء وجها ، هو تعالى حق ذلك الوجه ، ولو لم يكن الأمر كذلك ما كان إلها ولكان العالم يستقل بنفسه دونه ، وذلك محال ؛ فخلوّ وجه الحق عن شيء من العالم محال . وسمعت شيخنا رضي اللّه عنه يقول : التقليد هو الأصل الذي يرجع إليه كل علم نظريّ أو ضروريّ أو كشفيّ ، ولكن الناس في ذلك التقليد على مراتب : فمنهم من قلّد ربه ، وهم الطائفة العليّة ، ومنهم من قلّد عقله ، وهم أصحاب العلوم الضروريّة ، ومع ذلك فلو شككهم مشكّك ما قبلوه ، ولو عرض عليهم دليل من الشارع ردوه ؛ لتحكيمهم العقل . ومنهم من قلّد نظره وفكره ، بحيث لو شككهم مشكّك لقبلوه ؛ لعلمهم بأنه ممكن ، فما خرج العالم كله عن التقليد ، والسلام . ولكن أسوأ الناس كلهم حالا المتكلمون في ذات اللّه تعالى وصفاته بعقولهم ، وأين مرتبة العقل من الحق ؟ فإنه ما سمي عقلا إلا لعقله عن السراح إلى معرفة ذات اللّه تعالى ، وهو تعالى قد تنزّه في حمى عزته عن أن يدرك بأوصاف خلقه . وما جعل سبحانه وتعالى الحواس الظاهرة والباطنة طريقا إلا إلى معرفة المحسوسات لا غير ، والعقل بلا شكّ منها ، فلا يصحّ إدراك الحق تعالى بها ؛ لأنه ليس بمحسوس ولا معقول ، تعالى اللّه عن ذلك .