ثم اعلم أن التفكر من حيث هو لا يتعدى أحد أمرين : إما المخلوقات ، وإما الإله ، وأعلى درجات جولانه في المخلوقات ليتخذها دليلا ، ومعلوم أن الدليل يضاد المدلول ؛ إذ لا يجتمع دليل ومدلول عند الناظر أبدا .
ولذلك كان أهل اللّه عزّ وجل يريدون للمريد الاشتغال بالذكر دون الفكر ؛ لأنه لو مات في حالة التفكر في الدلائل مات في غير اللّه ؛ إذ ما كان مشهوده إلا هي لا هو .
وأما إذا كان جولان الفكر في الإله ليتخذه دليلا على المخلوقات كما عليه بعض الصوفية فهذا قد طلبه لغيره ، وذلك غاية سوء الأدب مع اللّه عزّ وجل ؛ حيث قصد بنظره في ذاته الاستدلال على حكم الكائنات ، فما طلبه لعينه ، وإن كان جولانه في الإله ليتخذه دليلا عليه تعالى فهذا من أكبر الغلط ؛ إذ لا يصحّ له النظر في ذاته حتى يتحقق بالعلم بها ، وذلك محال ، وإن كان نظره في الذات بمعنى : هل يصح أن تكون دليلا على اللّه أو لا تصحّ ؟ فهذا غاية الجهل فإنه لا شيء أدل على الشيء من ذاته .
وقد سمعت هاتفا تجاه سوق الكتبيين بمصر المحروسة يقول :
( ما ثمّ دليل عليّ سواي ؛ لأني أنا الغني عن أدلة المحدثات ، ولا تقيّدني الوجوه ولا الأحكام ) انتهى .
وأنشدوا في ذلك :
ومن طلب الطريق بلا دليل * إلهيّ فقد طلب المحالا
واعلم أن سبب توهم الناس أن الكون دليل على اللّه تعالى كونهم ينظرون في نفوسهم ثم يستدلون ، وما علموا أن كونهم ينظرون راجع إلى حكم كونهم متصفين بالوجود ، فالوجود هو الناظر ، وهو الحق تعالى ، فلو لم تتصف ذاتهم بالوجود فماذا كانوا ينظرون ، فما نظر هؤلاء إلا الحق بالحق ، فأنتج لهم الحق نفوسهم ، فقالوا :
عرفنا اللّه باللّه ، وهو مذهب المحققين من أهل اللّه تعالى ، إذا ضربت الواحد في الواحد كان الخارج واحدا ، فافهم .