اللّه تعالى العلم في صفاته بإعلام آخر ، ينزله في قلوبهم ، فتكون المسألة منه وشرحها منه تعالى ، فيعرفونه إذ ذاك به تعالى لا بنظرهم وفكرهم .
فما سلم من التفكّر في ذات اللّه تعالى سوى الأنبياء عليهم الصلاة والسلام .
وأما غيرهم فلم يقف في ذلك موقف الأدب بل خاض فيه على عماية وجهل ، فمن قائل هو جسم ، ومن قائل ليس بجسم ، ومن قائل هو جوهر ، ومن قائل ليس بجوهر ، ومن قائل ليس في جهة ، ومن قائل ليس هو في جهة ، وما هكذا أمر اللّه تعالى لا النافي ولا المثبت ، فقد عمّ الجهل بالذات الخلق كلهم « 1 » .
مطلب : تقليد الحق تعالى والرسل أولى من تقليد الفكر والنظر المحدثين
وكان شيخنا رضي اللّه عنه يقول : من أعجب الغلط الذي طرأ في هذا العالم كون العبد يقلد فكره ونظره « 2 » ، وهما محدث مثله ، ولا يقلد ربه فيما أخبر عن نفسه على ألسنة رسله ، وكان الأولى تقليد الرب وتصديق الرسل فيما جاءوا به ؛ لعصمتهم ، وقد أجمع العقل معنا على اعتقاد أن ذلك القول عن اللّه بلا شكّ ، فما بقي لنا منازع منا يقدح فيما عندنا .
وقد قررنا مرارا أنه ما جاء في الوجود من علم الأشياء بعين ذاته إلا اللّه وحده
هامش
( 1 ) هذا الكلام يتناول بالمفهوم أهل السنة والجماعة الأشاعرة والماتريدية ، وشتان بين من يثير الشبهة وبين من يرد الشبهة ، وهذا هو الذي حمل أهل السنة على ولوج مجال علم الكلام .
وللشيخ الأكبر اختيارات تختلف مع اختياراتهم ولا يلزم منها خطؤهم رضوان اللّه عليهم .
( 2 ) قال سيدي عليّ في « الوصايا » : أينما توجه الفكر لا يأتي إلا بمغايرات الحق ، وماذا بعد الحق إلا الضلال ، فهو لا يأتي في الحقيقة إلا بضلال عن الحقيقة ، التي هي الخير المحض ، فهو لا يأتي بخير محض قطّ ، فما انكشف فيه الحق بتحقيقه ولو بوجه ما ؛ فهو وجد علميّ ، أعني وجوديّ لا فكريّ ، وآيته ألا يحتمل النقيض في محله باليقين ؛ فافهم .