نفسه به من ذلك كذبا ، تعالى عن ذلك ، بل هو تعالى كما وصف نفسه به من العزة والكبرياء والجبروت والعظمة ونفي المماثلة ، وهو تعالى أيضا كما وصف نفسه به من النسيان والمكر والخداع والكيد ، وغير ذلك ، فالكل صفة كمال للّه تعالى كما يليق بجلاله .
فما قال بالتشبه إلا من لا معرفة له بالحقائق ، فإنه محال في نفس الأمر كما مرّ .
وكذلك كنّا نقول به لولا أن اللّه تعالى منّ علينا فتعيّن علينا أن نبيّن للخلق ما بيّنه اللّه لنا مما ينفعهم ولا يضرّهم ، هكذا أخذ علينا العهد أن نبيّن الأمر لكل من له استعداد يقبل به الحق ، فإن لم يكن استعداد كتمناه عنه ، فيكون هو بحكم ما يخيل ، ونحن بحكم ما نعلم ، قال تعالى :
وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ
( الأنفال : 23 ) ، فالحمد للّه ربّ العالمين .
وقد علمت من تداخل الصفات الكونية والإلهية كما مرّ عذر من قال : ( ما رأيت إلا اللّه ) ، ومن قال : ( ما رأيت إلا العالم ) ، ومن قال : ( ما رأيت شيئا في الوجود ثابتا ؛ لكثرة التجليات وسرعة الاستحالة ) ، فكلّهم صادقون .
وقد قلت مرة لشيخنا رضي اللّه عنه : ما معنى قول بعضهم : ما رأيت شيئا إلا ورأيت اللّه قبله ، كيف صحّ له ذلك ، وهو يتعقّل أن العالم غيره وأنه ثابت ؟
فقال رضي اللّه عنه : صاحب هذا المشهد يشهد الحق عيانا ، والخلق إيمانا ، واللّه أعلم .
فصل
من رحمته تعالى بنا تنزّله في حضرة التمثيل والتقييد إلينا وإلى عقولنا يوم :
أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ
( الأعراف : 172 ) حتى رأته أبصارنا الباطنة بمساعدة الحسّ المشترك ، وتبعت الأحكام هذا التجلّي الخاصّ ، وعرفناه بذلك . ولو أنه تعالى لم يتنزّل إلينا لكانت النّسب كلها مرفوعة ، كما هو الأمر عليه ، وكان ليس كمثله شيء ، ولم يصحّ لأحد في الدارين معرفته .