من نطفة أمشاج « 1 » . فأظهر الكل بالكل ، وضرب الكل بالكل ، فظهرنا به له من وجه ، وما ظهر هو بنا ؛ لأنه الظاهر ونحن على أصلنا .
فسبحان الأعلى المخصوص بالأسماء الحسنى والصفات العلى ، فالإنسان ظلوم بما غصب من هذه الصفات من حيث جعلها لنفسه حقيقة ، جهول بمن هي له ، وبأنها غصب في يده . ومن أراد أن يزول عنه وصف المظلوم والجهل فليردّ الأمانة إلى أهلها والأمر المغصوب إلى صاحبه .
واعلم يا أخي أن من هذا الالتباس ظهر القائلون بالاتحاد ؛ لأن الاتحاد عبارة عن تلبس العبد بالدعوى لصفة الرب ، وذلك في غاية الجهل ؛ إذ لا يصحّ تلبس العبد بصفة الحق أبدا ، كما سيأتي بيانه في فصل الاتحاد الآتي قريبا « 2 » .
هامش
( 1 ) جاء في هامش ( ب ) : أمشاج : أي أخلاط من ماء الرجل وماء المرأة المختلطين الممتزجين .
( 2 ) قلت : مسألة الحلول والاتحاد ووحدة الوجود قد كثر فيها الكلام من العالم والجاهل ، فكثر الكلام ، وتخبطت الآراء ، وتنازعت ، ونسبها ظلما وعدوانا الكثير من الجهلة قديما إلى سيدنا الشيخ الأكبر وأكابر الأولياء : كالشيخ سيدي عبد الكريم الجيلي ، والشيخ القونوي ، والشيخ ابن سبعين ، والشيخ ابن الفارض ، وغيرهم رضى اللّه عن جميعم ، وتبعهم على ذلك أتباعهم من المتأخرين ، وإن شئت قلت : أعوانهم في تلك الجهالة ، وكان مدخلهم إلى هذه النسبة وتلك الاعتراضات وتجرؤهم على ما يجهلونه من علوم الأولياء نظرهم إلى علوم القوم باعتبار أنها علوم فلسفية ، مصدرها الفكر والعقل ، وكأنهم لم يسمعوا قول اللّه تعالى :وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ( البقرة : 282 ) ، ولا قوله تعالى :فَوَجَدا عَبْداً مِنْ عِبادِنا آتَيْناهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً( الكهف : 65 ) ، ولا قوله تعالى :قُلْ هذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي( يوسف : 108 ) . ولا قوله تعالى :وَلكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ( آل عمران : 79 ) ، ولا قوله تعالى :وَجَعَلْنا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا لَمَّا صَبَرُوا( السجدة : 24 ) ، ولا ما روي عن أبي جحيفة قال : سألت عليّا رضي اللّه عنه : هل عندك عن النبي صلى اللّه عليه وسلم شيء سوى القرآن ؟
فقال : ( لا ، والذي خلق الحبة ، وبرأ النسمة إلا أن يؤتي اللّه عبدا فهما في القرآن وما في هذه -