وهذا التحقيق هو الذي ارتضاه المحققون « 1 » من رجال اللّه : كأبي يزيد وأضرابه ، وهو قريب من الأفهام إذا وقع الإنصاف . وذلك أن العبد ما استنبطه ولا وصف به الحق ابتداء من عند نفسه ، وإنما الحق تعالى هو الذي وصف به نفسه على ألسنة رسله ، وكوشفت به الأكابر . ونحن ما كنا نعلم هذه الصفات إلا لنا بحكم الدليل العقلي .
فلما جاءت الشرائع وقد كان هو ولم نكن نحن علمنا أن هذه الصفات هي له بحكم الأصل ، ثم سرى حكمها فينا منه ، فهي له حقيقة ولنا مستعارة ؛ إذ كان ولا نحن كما مرّ .
فالأمر في هذه المسألة على ما مهدناه هيّن المآخذ ، قريب المتناول ، فلا يهولنّك ذلك إذا كان الحق تعالى هو الناطق وأنت السامع .
فإن نازعك أحد في ذلك فليكن جوابك له : أنا ما قلته ؛ هو قال ذلك عن نفسه ، وهو أعلم بما نسبه إلى نفسه ، ونحن مؤمنون به على حد علم اللّه فيه ، وهذه أسلم العقائد .
فمن كشف له الحق تعالى صورة تلك النسبة كان على علم من اللّه فيها ذوقا « 2 » وشربا ، ولولا هذا الامتزاج والارتباط ما صحّ أن يكون الإنسان والحيوان
هامش
( 1 ) قال سيدي محمد وفا رضي اللّه عنه وعنّا به : التحقيق هو ما يحصل معه القطع الذي يستحيل معه وجود النقيض ، وحقيقته : وجدان وجود في كشف يستحيل معه الستر الموجب لتوهم الغيب ، وغايته : بلوغ يوجب الوقفة ؛ لاستحالة توهم مطلوب سيحصل اه .
( 2 ) قال سيدي محمد وفا رضي اللّه عنه وعنّا به : الذوق هو إدراك في القلب ، يميز به بين أشخاص أصناف المعاني ، هذا إذا صح من علة داء الشرك الخفي ، وحقيقته : وجدان حلاوة من التمنّى في رياض تروض الرضا ، وغايته : الاستغناء في تصور معاني الحقائق عن نصب الأدلة والبراهين السمعية والعقلية اه .