والحق الذي نعتقده : عموم التجلي الإلهي في سائر الوجود ؛ لأنه لا يكون إلا على صورة أمزجة العالم ، ولذلك عبد كثير من دون اللّه من نار ونور وملائكة وعجل وشجر وكواكب ، وغيرها . ومن أقام ميزان الشرع بيده ميّز ما أذن اللّه فيه مما لم يأذن .
وسبب دخول اللّبس على الناس كون الحق تعالى وصف نفسه بصفات الخلق ووصف الخلق بصفاته ، وإن كان الأصل في صفات الحق الكمال الذاتي الذي لا يقبل وصفا من نعوت المحدثات ، فلما تداخلت الصفات الإلهية والكونية التبس الأمر ، وحينئذ لا يخلو من أن تكون هذه الصفات في جنابه تعالى حقّا ثم نعتنا بها ، وإما أن تكون لنا حقّا ونعت هو نفسه بها توصيلا لنا ، وخبره تعالى بها صدق لا كذب ، فإن كنا نحن الأصل فهو تعالى [ مكتسب ] ، وإن كان هو الأصل فقد كسبنا إيّاها .
قال شيخنا رضي اللّه عنه : وهذه من أغمض المسائل في باب العلم باللّه عز وجلّ ؛ فإنه أضاف إليه نعوت المحدثات بإخبار قديم أزليّ ، فمنها ما أشار به في إخباره بأنه [ مكتسب ] لبعضها مثل قوله : ( حتى نعلم ) ، ومنها ما ذكره ولم يقيده [ باكتساب ] ولا غيره .
والتحقيق في ذلك أن الصفات الإلهية على قسمين : صفة إلهية : تقتضي التنزيه كالكبير والعلي ، وصفة إلهية : تقتضي التشبيه كالمتكبر والمتعالى ، ونحو ذلك مما وصف الحق به تعالى نفسه مما يتصف به العبد .
فمن جعل ذلك نزولا إلينا جعل الأصل للعبد ، ومن جعل ذلك للحق صفة إلهية لا تعقل نسبتها إليه كان العبد في اتصافه بها يوصف بصفة ربانية في حال عبوديته ، فيكون جميع صفات العبد التي لا تقتضي التنزيه هي صفات الحق لا غيرها ، غير أنها لما تلبس العبد بها انطلق عليها لسان استحقاق للعبد ، والأمر على خلاف ذلك .
الميزان الذرية المبينة لعقائد الفرق العلية — صفحة 64
مساهمون: عبد الوهاب الشعراني
ص٦٤