فمن عرف الحق تعالى بالحق رآه تعالى في كل شيء ، أو مع كل شيء ، أو عين « 1 » كل شيء على حسب المشاهد ، ومن عرفه بفكره شهده منعزلا عن العالم ببعد اقتضاه نظره ، فيناديه اللّه تعالى من مكان بعيد .
مطلب : الفرق بين العلم والمعرفة
وقد ذكرنا في « العقائد الكبرى » :
أن مرتبة العقول العلم باللّه تعالى لا المعرفة به ، وبين العلم والمعرفة بون بعيد ؛ إذ المعرفة متوقفة على شهود صفات المعروف ، وهذا لا يدرك بالعقل ، وإنما القلب السليم يدرك ذلك ، ثم يفيض على العقل بقدر ما يقبله ، فصاحب القلب مساو لصاحب الكشف من نبيّ أو كامل ، فحظّ كل عاقل من العلم باللّه تعالى علمه بوجود الحق ووحدانيته لا غير ، وإلا فكيف يريد عبد معرفة الحق تعالى بعقله ، وما ثم من يقع عليه عينا ، ولا من يضبطه خيالا ، ولا من يحدده زمانا ، ولا من تعدده صفات أحكام ، ولا من تكيفه أحوال ، ولا من تميزه أوضاع ، ولا من تظهره إضافة ، فكيف يعرف العقل من لا يقبل هذه الصفات ؟ وشرط المعرفة أن ترفع الخيال من القلب .
وقد ذكرنا في كتابنا « الجواهر والدرر » « 2 » : أن العلم بأمر ما لا يكون إلا بمعرفة قد تقدمت قبل هذه المعرفة بأمر آخر يكون به بين المعروفين مناسبة ، لا بدّ من ذلك ،
هامش
( 1 ) المراد أنه تعالى سرّه في عين كل شيء لا أنه بذاته عين كل شيء .
( 2 ) ذكر ذلك في « الجواهر والدرر الكبرى » ، الذي ألفه في ذكر جملة مما سمعه من شيخه سيدي عليّ الخواص رضي اللّه عنه ، وهو يختلف عن الكتاب المطبوع والمسمى بنفس الاسم ، وبحوزتنا نسخة منه ، يسّر اللّه لنا تحقيقها .