تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الميزان الذرية المبينة لعقائد الفرق العلية — صفحة 59

مساهمون:

ص٥٩
وقوله تعالى :
مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينا أَنْعاماً
( يس : 71 ) ، ونحو ذلك ؛ فإنه وصل الخلق به . وأنشدوا :
العبد مرتبط بالربّ ليس له * عنه انفكاك يرى فعلا وتقديرا
الذلّ يصحبه في نفسه أبدا * فلا يزال مع الأنفاس مقهورا
وأنشدوا أيضا :
فالربّ والمربوب مرتبطان * ثنى الوجود به وليس بثان
ما إن رأيت ولا سمعت بمثله * إلا الذي قالوه في العمران
يريدون أبا بكر وعمر ؛ فأبو بكر منتف ، فلم يظهر له اسم في العمران ، وهو ثابت في ضمير التثنية ، فعلم من هذا التحقيق أنه ما ثمّ بيننا وبين الحق تعالى بون معقول أبدا ؛ لارتباط الحضارات ببعضها ، وإنما هو بون مشروع ، يميّز العبد من الربّ ، وانظر إلى نداء الحق لنا :
يا أَيُّهَا النَّاسُ
( البقرة : 21 ) فإن التأيّه مشعر بالبعد . وكذلك نحن نقول : ( يا ربّنا ) ، ففصل تعالى نفسه عنّا ، كما فصلنا نحن أنفسنا عنه ، ولا حلول ولا اتحاد ، كما سيأتي بسطه في الميزان ، فكل من لم يميز الخلق من الحق تعالى فهو في حيرة ، ما يدري ما يعبد . وقد سئل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : أين كان ربّنا قبل أن يخلق الخلق ؟ فقال : « كان في عماء ، ما فوقه هواء وما تحته هواء » « 1 » . و ( ما ) نافية ولا موصولة بمعنى الذي ، فالعماء أول رتبة تميّز الحق تعالى بها عن خلقه ، وهو أول موصوف قبل كينونة الحق تعالى فيه ، فهو برزخ بين الحق والخلق .
هامش
( 1 ) رواه الترمذي ( 3109 ) ، وأحمد في المسند ( 4 / 11 ) ، وابن ماجة ( 1 / 64 ) ، وو محمد ابن أبي شيبة في العرش ( 7 ) بتحقيقنا ، من حديث أبي رزين مرفوعا .