تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الميزان الذرية المبينة لعقائد الفرق العلية — صفحة 58

مساهمون:

ص٥٨
وعلى ما قررناه ينزل قول بعضهم بصحة الأنس « 1 » بالحق تعالى . وقول بعضهم : أنه لا يصحّ الأنس بالحق ؛ لانتفاء المجانسة ، ولهذا كانت الجن غير أنيسة . ثم اعلم أنه لا يلزم من اتصاف الذات بالألوهية وكونها طالبة لها مضاهاة العلة والمعلول ؛ لأنهما أمران وجوديان عندهم بخلاف الألوهية ؛ فإنّها نسبة عدميّة لا وجوديّة ، فافهم ؛ فالوجوه كدائرة انعطف أبدها على أزلها ، فلم يعقل إله إلا ومعه مألوه ، ولا عقل ربّ إلا وعقل معه مربوب ، ولكن لكل معقول رتبة ليست عين الأخرى ، كما نعلم أن بين الخاتمة والسابقة تمييزا معقولا ، يقال عن الواحدة : سابقة ، وعن الأخرى : خاتمة . فإن لم تعرف ربك هذه المعرفة وتشهد هذا الارتباط فما عرفت ربك أصلا ، وهذا كله مأخوذ من قوله تعالى :
لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ
( ص : 75 ) .
هامش
( 1 ) قال المصنف رضي اللّه عنه في « القواعد الكشفية » في الكلام على الأنس باللّه : أن ذلك لا يصحّ لأحد من الأولياء ؛ لما تقدم من الجهل بكنه الذات . وقد قال الولي الكامل سيدي علي بن وفا رحمه اللّه : ( لا يصحّ الأنس باللّه تعالى لأحد من المحققين ، وما أنس إلا بما منه من التقريبات لا بذاته تعالى ) . قلت : وقد أجمع أهل الطريق على ما قاله سيدي علي بن وفا رحمه اللّه تعالى ، وقالوا : الأنس لا يصحّ إلا بالمشاكلة والمناسبة ، وليس بين الخلق وربهم مشاكلة ولا مناسبة ، تعالى اللّه عن ذلك علوّا كبيرا اه . ثم قال : إيّاك أن تقول إنك أنست باللّه تعالى عينا ؛ فإن ذلك لا يصحّ ، وقد سمعت مرة هاتفا يقول : ( إذا كان كل شيء خطر ببال عبدي فأنا بخلافه ، فكيف يصح له مناجاتي على الكشف والشهود والأنس بي ) اه ( ص 58 ) .