تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الميزان الذرية المبينة لعقائد الفرق العلية — صفحة 57

مساهمون:

ص٥٧
واعلم أن هذا الارتباط الذي أشرنا إليه إنما هو بين الأسماء التي تطلب العالم ، كالرب والإله والخالق والرازق ، ونحو ذلك . أما ما لا يطلب العالم كالاسم ( اللّه ) و ( الأحد ) ، فلا ارتباط له بوجه من الوجوه . قال اللّه تعالى :
إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ
( العنكبوت : 6 ) : أي غنيّ حتى عن الدلالة عليه من سائر ما اتخذه الناس دليلا ، فإنه ما ثمّ لنا دليل قطّ يوصل إلى اللّه ؛ لأن الدليل غايته أنه موضوع يدلّ على واضع وضعه ، لا على حقيقة واضعه ، كما سيأتي بسطه في فصل الهواتف إن شاء اللّه تعالى . ولو أوجد اللّه تعالى العالم للدلالة عليه لما صحّ له الغنى عنه ، ولكان للدليل فخر على المدلول ؛ لكونه أفاد الدال به أمرا لم يكن للمدلول أن يوصل إليه إلا به ، وذلك يبطل الغنى . فإن قيل : إذا كان الحق تعالى وراء كل مرمى ، فالذات الغنية عن العالمين وراء اللّه تعالى . قلنا : ليس الأمر كما توهمت ، بل اللّه تعالى وراء الذات ، وليس وراء اللّه مرمى ، فإن الذات متقدّمة على المرتبة بما هي مرتبة ، فكما نطلب نحن مرتبته لوجود أعياننا ، كذلك يطلبنا لظهور مظاهره ؛ إذ لا مظهر له إلا نحن ، ولا ظهور لنا إلا به ، فيه عرفنا أنفسنا ، وبنا تحقق عين ما يطلبه الإله تعالى ، فلا بدّ للكامل من عينين : عين ينظر بها الغني عن العالمين وعدم الارتباط به ، وعين ينظر بها الارتباط ، فلا تصحّ المنافرة أبدا من جميع الوجوه ، ومن يشهد هذا الارتباط زلت به القدم في مهواة من التلف .