تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الميزان الذرية المبينة لعقائد الفرق العلية — صفحة 52

مساهمون:

ص٥٢
تبارك تعالى :
فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ
( البقرة : 115 ) ، فإيّاك أن تتوهّم أن نفسك قد أحاطت بها الجهات كصورتك الظاهرة ، ويبقى الحق تعالى في وهمك كالدائرة المحيطة بك ؛ فإن نفسك ليست من عالم الحسّ ، بل كما ترى نفسك في غير جهة كذلك تشهد الحق تعالى في غير جهة . وأما ظاهرك فإنما أمرك الحق تعالى بتوجّهه إلى جهة الكعبة ؛ لجمع همّك على المركز ، وظاهر لظاهر ، وباطن لباطن . فإن قيل : فمن يرى وجه الحق تعالى في كل جهة كيف يميز المحظور من غيره ؟ قلنا : رؤية الحق تعالى في الباطن رؤية مطلقة غير مقيّدة ، وليس في عالم الإطلاق تكليف ، ولا خطاب بابتلاء ، فافهم . وكان شيخنا رضي اللّه عنه يقول كثيرا : العبادة للّه تعالى بالغيب هي عين العبادة له مع الشهود على حدّ سواء ؛ لأن الإنسان وكل عابد لا يصحّ أن يعبد معبوده إلا عن شهود إمّا بعقل أو ببصر ، فصاحب البصيرة « 1 » لولا شهده بها ما صحّت له عبادة ، فما عبد إلا مشهودا غائبا ، وإن كان يشهد تجليه في [ الصور ] « 2 » حتى صار يميزه من خلقه ويميز خلقه منه فقد عبده أيضا على الشهود البصريّ ، ثم لا يكون له ذلك إلا بعد أن يراه بعين بصيرته .
هامش
( 1 ) قال سيدي محمد وفا رضي اللّه عنه وعنّا به : البصيرة هي فقه القلب في حلّ إشكال مسائل الخلاف فيما لا يتعلق العلم به تعلّق القطع ، وحقيقتها : نور يقذف في القلب ، يستدلّ به العقل الخابط عشواء على سبيل الإصابة ، وقد أظله ليل الحيرة ، وغايتها : النظر إلى الحق من الوجه الذي ينظر هو إليه منه اه . ( 2 ) ما بينهما ، فك رمزه السرياني سيدي النابلسي .