فكلّ ما تخيّل له وراء فليس هو اللّه ، فهو تعالى المحيط بنا والوراء منا ، له من كل جهة لازم لنا ، فلا نراه أبدا من هذه الحيثية ؛ لأن وجوهنا إنما هي مقبلة مصروفة إلى نقطة المحيط ؛ لأننا منها خرجنا فلم يتمكّن لنا أن نستقبل بوجوهنا إلا هي ، فهي قبلتنا ، وهي أمامنا ، ومن كان هذا نعته والأمر كريّ ، فبالضرورة يكون الوراء منا للمحيط بنا ، فإذا نظرنا إلى قوله :
وَأَنَّ إِلى رَبِّكَ الْمُنْتَهى
( النجم : 42 ) ، فإنما يريد بظهورنا لا بوجوهنا ، فإن مشينا إلى المحيط القهقرى فهو من ورائنا محيط ؛ لأنه الوجود ، فلو لم يكن من وراءنا لكان انتهاؤنا إلى العدم ، ولو وقفنا في العدم ما ظهر لنا عين ، فمن المحال وقوفنا في العدم بعد الوجود ؛ لأن اللّه تعالى الذي هو الوجود المحض من وراءنا محيط بنا ، وإليه ننتهي ، فيحول وجوده وإحاطته بيننا وبين العدم .
فليس بين قوله :
وَأَنَّ إِلى رَبِّكَ الْمُنْتَهى
وبين قوله :
وَاللَّهُ مِنْ وَرائِهِمْ مُحِيطٌ
تناف كما توهم ؛ إذ العالم بين النقطة والمحيط ، فالنقطة الأول ، والمحيط الآخر ، والحفظ الإلهي يصحبنا حيثما كنا ، فيصرفنا منه إليه والأمر دائرة ما لها طرف يشهد فيوقف عنده .
ولهذا قيل للمحمدي الذي له مثل هذا الكشف « 1 » :
يا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقامَ لَكُمْ
( الأحزاب : 13 ) ؛ لكون الأمر دوريّا ،
فَارْجِعُوا
، فلا يزال العالم سابحا في ذلك الوجود دائما إلى غير نهاية ؛ إذ لا نهاية هناك ، ولا يزال وجه العالم أبدا إلى الاسم الأول الذي أوجده ناظرا ، ولا يزال ظهر العالم إلى الاسم الآخر المحيط الذي ينتهي إليه ، فإن العالم يرى من خلفه كما يرى من أمامه ، ولكن يختلف إدراكه باختلاف الحال عليه ، ولولا الاختلاف ما كان فرقان .
وإذا قد علمت أن جميع الجهات عند المصلي حقيقة قبلة ، كما يشير إليه قول اللّه
هامش
( 1 ) هذا يكاد يكون تصريحا من المؤلف رضي اللّه عنه بكونه محمدي القدم .