وتأمل قوله لمحمد صلى اللّه عليه وسلم :
وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ
( هود : 123 ) ، كيف أتى بضمير الغائب في قوله « فاعبده » : أي لا تعبده من حيث أنت ، فإنك إن عبدته من حيث عرفته فنفسك عبدت ، وإن عبدته من حيث لم تعرفه فنسبته إلى المرتبة الإلهية عبدت [ المرتبة ] « 1 » ، وإن عبدته من غير مظهر ولا ظاهر ولا ظهور بل هو هو لا أنت ، وأنت أنت لا هو ، فقد عبدته . وهو قوله تعالى :
فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ
: أي ولا تقل : أنت المدرك بالأبصار .
فإن الغيب لو أدرك بها ما كان غيبا ، واعبد ذاتا منزهة مجهولة ، لا تعرف منها سوى نسبتك إليها بالافتقار ؛ لأن من عبد ذاتا منزهة مدركة فما عبد إلا صورة نفسه في المرآة ، فما فوق معرفة من عبد ذاتا مجهولة معرفة ؛ لأنه حينئذ يكون معروفها « 2 » لا تحديد فيه ، فسبحان من علا في نزوله ونزل في علوه ، ثم لم يكن واحدا منهما ، ولم يكن إلا هما لا إله إلا هو العزيز الحكيم .
وقد قدّمنا أنه لا يتمكّن لك أن تحضر مع ربّك إلا على قدر ما تعطيك مرتبتك لا غير ، وأن علمك بأن اللّه تعالى يراك أقوى في التنزيه من رؤيتك له ؛ لأنك لا تراه إلا بصورة المقابلة والتحديد ، وقول من قال : ( بلا تحديد ) إنما هو تستير على العوامّ ؛ إذ التنزيه لهم أولى ؛ لقصورهم عن فهم الأمور على وجوهها الواردة في الشريعة .
ومن هنا أنكرت المعتزلة الرؤية مطلقا ، فردّوا الأحاديث والآيات « 3 » الواردة في الرؤية ، وما كان ينبغي لهم أن يقولوا ذلك إلا في رتبة الإطلاق التي هي حضرة الذات ، فإن التجلي في رتبة التقييد والتمثيل قد ثبت في الأخبار الصحيحة ، واكتفى
هامش
( 1 ) هذه اللفظة أثبتها الناسخ بقوله : « لعله : عبدت المرتبة » . وهو أقرب للصواب .
( 2 ) أي الحق تعالى .
( 3 ) نهاية السقط في المخطوط ( ب ) .